محمد المؤدن في قراء نقدية لزجلية شموخ الشمالية(أأأأه يا قلبي) لزجلية شموخ الشمالية(أأأأه يا قلبي)
الزجالة نعيمة امحايح أو شموخ الشمالية كما عهدناها ناشرة في عدة منابر ومجلات الكترونية ؛ أو كما تبدو لنا من خلال قصائدها الزجلية المتميزة بقاموسها العامي الشمالي الأصيل ؛ هي تلك الشاعرة المالكة لزمام الحرف والمرودة للكلمة تطيعها في كل المواقف حين تساجل حين تغزل الحروف تنسج منها صورا وتغازل ؛ هي بهذا الاسم (شموخ الشمالية) الذي تعتز به وتفتخر صادقة مفضلة إياه أن يكون لها لقبا ملتحما بشخصيتها ؛ وحارصة أن تكونه بكل ما يحمله من معان ودلالات ؛ هكذا هي تريد تعتقد وتدين بكل قيم وعادات وتقاليد المنطقة الشمالية من المغرب الحبيب تجعل منها قداسا تقدم له القرابين والقرابين من وجدانياتها . في كثير من الأحيان تندر نفسها لتكون هي من القرابين ؛ تتحدى الجروح والدماميل التي خلفتها الأيام والأعوام ؛
تقول شموخ :
شنو لفرق بين
شمالي وجنوبي
خممت باش نعرف
لقيت كولشي تالف
هما كليمات خفاف
لكن لطاف و ظراف
عليهم يتهز لكتاف
أنا الشمالية الجبلية
بطرابق والشاشية
فوق راسي سبنية
لابسة فراجية
محزمة بلكورزية
العايل ولد عمي
مزيون عزيز علي
عامل فرقة وكولونيا
سروال طروزيز مجبد
وتارازا حتى هي
نقابلو في الدشر تحت لبرية
ونطلعو لمولاي عبد السلام
الوالي دجبالة نزورو ونجيبو لباروك شمع حنة وسواك
لعاتق تزوج حتى هي
الشاطئ يشالي
فيه العايل ديالي
ونا لابسة خلخالي
شافوني جيراني
قالو عملتها بلعاني
منهم حشمت
غرقت في جلالي
شموخ لا تقهرها المواضيع فلها تركع وتطيع ؛ بل تتسابق إلى الكتابة في كل المناسبات ؛ ولها موقف من كل الأحداث ؛ ورؤية صادقة إلى كل ما يرتبط بالحياة .
شموخ ببساطتها وفطريتها وإرادتها القوية وعصاميتها النابعة من أصلها الجبلي المتحدي لقوة الطبيعة ؛ تراهن على التموقع في خانة الزجالات الشامخات بالمنطقة الشمالية والبارات بالأصالة الجبلية بكل تجلياتها ؛ وشموخ ليست بهذا تجسد عصبية قبلية ؛ هي فقط تسعى إلى إخراج إبداع المرأة الشمالية الجبلية من الصمت ؛ التاريخ الجبلي حافل بالبطولات وبالعطاء في المجال العلمي والفكري والثقافي والأدبي والسياسي والعسكري ؛ وفي كل هذه المجالات تبرز أعلام نسائية رائدات ؛ حتى في الفقه والتصوف ؛ (الزاوية الريسونية - الوالي مولاي عبد السلام بن مشيش ...) وقد أشارت شموخ إلى ذلك :
نطلعو لمولاي عبد السلام
الوالي د جبالة نزورو
ونجيبو الباروك
شمع وحنة وسواك
فمولاي عبد السلام الوالي الصالح المعروف بطريقته الصوفية وعلمه
الباروك من البركة وهي في العرف ينالها الوالي الصالح من التقرب من الله .
الزجالة شموخ نختار لها قصيدتها الزجلية ( أأأأه ياقلبي )
هو عنوان تضمن صوتا نابعا من أعماق النفس (أأأأه) و(الآه) صوت يعبر به عن ألم الجراح والمرض وضيق النفس
(الآه) هنا متعلق بالقلب المستغاث به بالأداة (الياء) لعله قلب الشاعرة وقد أضيف إلى ياء المتكلمة ، قد يكون القلب هو الجريح وقد تكون النفس هي الجريحة والقلب مستغاث به .
فالقلب لغة يعني خالص الشيء وشريفه ؛ وسمي قلب الإنسان قلبا ، لأنه يدل على أخلص شيء فيه وأرفعه ؛ والأصل في مادة (قلب) هو التحول والتبدل والتبديل من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة ؛ ومن موضوع إلى آخر .
وهو إما قلب مادي به تتحصل الحركة والحياة ؛ يضخ الدم ويستقبله وبتوقفه تتوقف الحياة .
وإما روحاني باطني يرتبط بالنفس والروح ؛ ويرادف العقل الذي يتم به التفكير والاستدلال وتركيب التصورات والتصديقات ؛ والقلب والروح ؛ بمعنى واحد ؛ والقلب بمعنى التقلب والتحول والتبدل يتصف بصفات متعددة حسب الظروف والأحوال ؛ كالسلامة والتكبر ؛ والغلظة والقساوة والغفلة ؛ والخشوع ؛ والمحبة ؛ والبغض وغير ذلك من التقلبات النفسية والمزاجية ، الشاعرة شموخ في قصيدتها (أأأأه ياقلبي) تجسد أول تجربة حب (لغرام) صادم مفاجئ ؛ الحب عند شموخ هو بحر جارف بأمواجه العاتية
غالبا ما تكون المغامرات بالغوص في أعماقه منتهية بالفواجع والتراجيديات المؤلمة:
مواج لغرام تدفقو عليا
ما عرفت باش تبليت
أسيادي طاح الضيم عليا
الولف صعيب
بيتو عند راسي
صبح عند رجليا
في هذا المقطع صراع بين المعشوقة أو العاشقة الواقعة في بحر الغرام بالصدفة (ما عرفت باش تبليت) كأن الحب (لغرام) ابتلاء وقدر ؛ وألم الفراق :
(بيتو عند راسي صبح عند رجليا) والحب والمحبة غريزة في الإنسان تربطه بالخالق (الله) بها كرمه وميزه عن جميع المخلوقات ومنها الملائكة المخلوقون من أجل العبادة ؛
والحب في نظر شموخ هو هم ونار تكتوي بها القلوب بعد الجفاء والفراق ؛ هو هم وثقل كأنه مسؤولية لن تتحملها الجبال فكيف بقلب ؛ كيف بمضغة أن تتحمل أوزاره لفترة قد تكون قصيرة أوطويلة ؛ قيمة الخلق ليست في حجمه الشاعرة شموخ سخرت منها الجبال العظيمة الصماء وحن عليها طائر في منتهى الصغر وغنى لها أغنية مقدرا لوعة الحب والمحبة ؛ وهنا تتجلى عظمة الروح أساس الحياة ؛ الروح السامية فوق المادة ؛ وفي المنظور العرفاني أن حب الإنسان لخالقه (الله) لا يتحقق إلا بمحبة الناس لأن الحياة مبنية على المحبة ؛ حين تزول الكراهية من الأرض تعم المحبة يسود العدل ؛ ينتصر الحق تتوقف الحروب ويعم السلام ؛ ويتآخى البشر (بنو آدم وحواء) من جديد ؛ والحب والهوى والود تتقارب معانيها لتحمل دلالة المحبة ؛ الحب بين العاشقين والمعشوقين هو محبة بين إنسان (ذكر) وإنسان (أنثى) ولولا المحبة لما تم الوئام والألفة بينهما ولو بلغت الأنثى أقصى درجات الجمال ؛ وتتقدم الأمم حين يرتبط أفرادها بالمحبة في الله وفي الوطن وفي المبادئ ؛ حين يجتمعون على إسعاد المجتمعات بما يضمن لهم شروط العيش والتعايش بالعلوم والتكنولوجيا ؛ حين يقتسمون خيرات الأرض بالعدل ؛ حين تطبق العدالة الإلهية بمحبة الله . ولن يقوى الإنسان على العيش بقلب خال من المحبة إلا بعد فناء الجسد ، حتى بعد الجفاء يبقى الأمل ؛ أمل العودة ، حتى بعد ألم الفراق ؛ حتى بعدالجراح ؛ حتى بعد الآهات ؛ حتى بعد أن تجفف العيون من العبرات بمنديل الأيام ؛ حتي بعد طي المنديل حين يفقد صلاحيته .
تقول شموخ :
شكيت همي لجبال شاهقا ضحكو عليا
حن مني لطير واساني بأغنية
لحبيب الى غايب قلبو هداه ليا
ماشي لخاطرو
يرجعو لهوى
يعرف بحق الرومانسية جففت دموعي بمنديل ليام
وطويتو بحال الزربية
حين يهزمنا القدر يقهرنا الدهر ؛ نلتجئ إلى الله نشكو إليه همومنا ؛ فهو العالم والمحبوب ؛
وقلت الله كريم بحبال لهوى يرجع ليا القلب الى عشق
شريانو باسم لحبيب ينطق
دمو ريحتو حبق
محال حب اليوم يصدق
شموخ تتحدث بضمير المتكلم ؛
(عليا - تبليت - أسيادي -شكيت - همي -مني - واساني - راسي رجليا - جففت دموعب - طويتو قلت - يرجع ليا ) هي ليست بهذا الضمير تتحدث عن قصة واقعية مادام الشاعر لسان قومه معبرا عن مشاعرهم عن تجاربهم ؛ ولن تبرئ ضمائر الغائب الشاعر من أن يكون هو المقصود في النص ؛ في جميع الأحوال تبقى القصيدة رؤية للعالم ؛ رؤية للحب والمحبة .تحياتي شموخ .
محمد المؤذن مؤسس ورئيس جمعية كازابلانكا
للتراث الشعبي والتنمية والتربية على المواطنة




تعليقات
إرسال تعليق