قراءة نقدية محمد المؤدن لقصيدة الشاعرة فريدة حداد
كم كنت سعيدا وأنا أفتح الميسانجر على هدية رائعة من الصديقة المقتدرة الشاعرة الأستاذة للا فريدة حداد ؛ أغنية رائعة يؤديها الفنان والملحن العراقي كاظم هاشم ؛ اعتقدت قي البداية أنها كغيرها من القصائد التي يبعثها إلي أصدقاء لإبداء رأيي فيها ؛ أو الهدايا المنقولة من اليوتوب ؛ لكني من خلال الجينيريك اتضح لي أن الأغنية الرا ئعة (دلال غزال) هي من شعر للا فريدة حداد عاشقة القصيدة العمودية استمعت إليها أكثر من مرة ؛ فانتابني شعور أن للا فريدة التي أعرف فيها القلب الكبير والنفس الطاهرة النقية والأستاذة المعلمة المربية ؛ والمثقفة والشاعرة باستحقاق . تتقاسم معي هذا المنتوج الشعري الرائع المتميز والمصنف في قائمة القصائد المغناة ؛ لتعبر لي أن خير ما نتقاسمه مع بعضنا إبداع جميل وفوز جليل وعمل نبيل ؛ وهي تعلم أني سأتقاسم معها بعد ذلك الفرح كلما فرحت ؛ والفخر عندما تفتخر بالكتابة والإبداع الرائع ؛ أعطي رأيي المتواضع في أعمالها الشعرية بعد قراءة وتمحيص ؛ وأنا أتأمل في القصيدة (دلال غزال) مكتوبة ؛ استحضرت زمنين ؛ الزمن الأول كان فيه الشاعر لسان قومه ؛ حيث كان الشعر ديوان العرب تفاضل فيه الشعراء واختلفت أغراضه ومقاصده ؛ وظهرت فيه المعلقات (المذهبات) في العصر الجاهلي ؛ وتلاه العصر الإسلامي والأموي والعباسي ؛ في هذا الزمن ظلت القصيدة العمودية محافظة على خصوصيتها شكلا ومضمونا ؛ فتطورت نسبيا في العصر الإحيائي والرومانسي ؛ وثار المجددون في الشعر على التقاليد فظهرت قصيدة الشعر الحر أو القصيدة النثرية بعد الاطلاع على النموذج الغربي في أربعينيات القرن العشرين . أما الزمن الثاني هو ما عرف بالزمان الجميل بكل تجلياته ؛ فذكرني بالقصيدة المغناة وبالشعراء الكاتبين لهذا اللون من تلقصائد ؛ سواء في المغرب أو في أقطار أخرى من الوطن العربي ؛ ساهموا جميعا في ازدهار الأغنية العربية الأصيلة الهادفة ؛ في هذا الزمان عرفنا روائع المؤلفين ؛ لائحة عريضة على رأسها أحمد شوقي ؛ غنى له الراحل محمد عبد الوهاب وفيروز (يا جارة الوادي) ؛ وغنت الراحلة سيدة الطرب العربي أم كلثوم لكل من أحمد شوقي ونزار قباني ؛ وغنى كاظم الساهر وماجدة الرومي لنزار قباني ، ومن المغرب غنى الراحل أحمد البيضاوي (أضحى الثنائي ) لابن زيدون ؛ و(حبيبي تعالى) للشاعر إلياس فرحات ؛ وغنى لعبد الرفيع الجواهري رائعته (راحلة) المرحوم محمد الحياني ؛ ورائعته (القمر الأحمر) الأستاذ عبد الهادي بلخياط أطال الله عمره ؛ قصائد رائعة تركت بصمتها الخالدة في ذاكرة المخزون العربي ؛ بعد هذا الزمان الجميل عرفت الأغنية العربية انتكاسة ساهمت فيها عدة عوامل مرتبطة بالتأليف ؛ والتلحين ؛ والترويج ؛ والانفتاح على أغان غربية وبروز موجات وظواهر متأثرة بالعولمة والتكنولوجية منها ظاهرة الراب والأغنية الشبابية السريعة ؛ قصيدة الشاعرة للا فريدة حداد (دلال غزال) ؛ تعتبر عملا أدبيا راقيا يساهم في تحصين وإغناء حقل التأليف في مجال الأغنية المغربية العربية الأصيلة ؛ استطاعت أن تتجاوز حدود الوطن لتلحن وتؤدى بصوت عربي عراقي ؛ صوت الفنان والملحن كاظم هاشم ؛ مفخرة لنا نحن المغاربة أن نصفق ونبارك لشاعرة مغربية هذا الإنجاز الرائع في زمن النكسة .
على مستوى النص فقصيدة (دلال غزال) من الشعر العمودي من حيث بنيته المعمارية (الشكل) ليس على المستوى الوحدة العروضية ؛ لكن على مستوى هيكل القصيدة العربية على النمط التقليدي المعروف عند فطاحل الشعراء في العصر الجاهلي وهو الهيكل المكون من المقدمة (المطلع) و(الموضوع) و(الخاتمة) غالبا ما تكون المقدمة تدور حول المرأة او الناقة ؛ بعدها يتناول الشاعر الموضوع الرئيسي يتجلى فيه الغرض الأساسي من الأغراض الكثيرة التي كانت معروفة في ذلك العصر ومنها الوصف والمدح والهجاء والرثاء والغزل والفخر والخمريات والزهد والحكمة ؛ وكل هذه الأغراض وليدة حياة الشاعر الاجتماعية والأحوال الطبيعية التي كانت تحيط به (البوادي) وما يرتبط بها من حيوانات ونبات ؛ فوقها السماء بكواكبه ونجومه ؛ الشاعرة للا فريدة في قصيدتها (دلال غزال) وازنت ما بين قصيدتها ونموذج القصيدة العربية ؛ حيث حافظت على المطلع الذي كان غالبا ما يتناول المرأة فيصفها بالغزال في رقتها وعنقها المرفوع والرأس الملتفت في كبرياء ؛ القصيدة (دلال غزال) بما أنها قصيدة نظمتها الشاعرة لتغنى فلابد أن تلتزم بشروط القصيدة المغناة ومنها الحجم (الطول) ليبقى المطلع وحده كافيا دون غيره من الأجزاء الأخرى ؛ وهذا يعني أن هذا المقطع (المطلع) هو مقدمة لقصيدة طويلة تستوفي كل شروط وخصوصيات القصيدة العربية القديمة ، القصيدة (دلال غزال) هي وصف محاسن المرأة (الغزل) من خلال دلالات ألفاظ مفردة استعملت في المتداول من الشعر في العصر الجاهلي .
ولما أطلت تناغي الدلالا
وقار تدلى فقاد الجمالا
غزال بأرض بوار تمشى
فهبت رياح الخصيب اختيالا
كأن الشموس انسابت بحورا
فأغرى شعاع المحيا الرمالا
على مرمر الخد ساحت سجايا
تمني رؤى عاشقيها وصالا
وخال غزا حسن طرف فعرى
فضيل المعاني وبالحمد جالا
غصون العفاف ارتوت من شذاها
فجاب الأريج المدى و المحالا
ضياء المليح إذا ما تبد ى
لسان القبول تغنى ارتجالا
وعند انسكاب السنا من سناها
تهادت عروش الجمال اختلالا
فم الشعر من حسنها ذاق خمرا
فصال القصيد انبهارا وجالا
(غزال - أرض بوار - سعاع المحيا - مرمر الخد - الوصال- العفاف ) ؛ رؤية الشاعرة إلى العالم وإلى الوطن العربي بالخصوص ؛ فهي تستحضر نموذج المرأة العربية في العصر الجاهلي وفي العصور التي تلته العصر الإسلامي والأموي والعباسي ؛ وصفت بالوقار والحديث الحسن الطيب ؛ وعدم اختلاطها بالذكور ؛ حسب مقتضى الحال ؛ مما يتولد عن هذا الوصف الدقيق مقارنة مفروضة وتقابل بين المرأة في العصر الجاهلي والإسلامي ؛ على مستوى الحقوق والواجبات ؛ على مستوى المساواة والاختلاط ؛ على مستوى التعليم والتشغيل ؛ قد نقف على تباين شاسع بينهما ؛ لكن تبقى المرأة رغم تحقيق مكتسبات إيجابية عبر التاريخ بفضل ثورات منظمة وحركات نسوية في بقاع العالم ودعم من منظمات حقوقية عالمية تبقى ضحية السلطة الذكورية في أغلب الدول العربية ؛ ينظر إليها كجسد للمتعة وآلة للإنجاب ؛ تعرض أحيانا للعنف النفسي والجسدي ؛ تستغل في بعض الحرف من أجل تأتيت المحلات التجارية لجلب الزبناء تحت شروط التبرج والتنازل عن كرامتها لإرضاء الزبناء في الأسواق الممتازة والمكاتب ؛ والقيام بوظيفة الجباية . قصيدة (دلال غزال) عمل أدبي رائع راق ؛ تأتيه الروعة من حيث كونه مشروع شاعرة مغربية نعتز بها كامرأة مغربية ؛ وتأتيه الروعة من جهة كونه أغنية تجاوزت الحدود لتغنى في قطر عربي منبع (العراق) تحية إلى الفنان والملحن كاظم هاشم ؛ وإلى الشعب العراقي الشقيق .
محمد المؤذن مؤسس ورئيس جمعية كازابلانكا
للتراث الشعبي والتنمية والتربية على المواطنة





تعليقات
إرسال تعليق