التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجيدة السباعي في قراءة لديوان "ضفاير لالا" للزجالة فاطمة المعيزي


مجيدة السباعي في
قراءة لديوان "ضفاير لالا"
للزجالة فاطمة المعيزي


مقدمة:
لا يختلف اثنان أن للكتابة النسائية في الزجل منزلة استثنائية وبصمة نوعية في المشهد الثقافي الأدبي المغربي، فن يهدي تلذذ السمع ويغرق الجوانح والكيان نشوة وطربا..
إنها تجارب جادة متفردة بإبداعات خصبة، منكهة بلهجات متباينة حسب الجهات ، زاخرة بحكم وازنة، مستقاة من واقع الناس اليومي، متشبعة بالموروث الثقافي الإنساني، و مضمخة بكنوز ذاكرة المغرب الفذة.
ولعل مطمح المرأة المبدعة للبوح الواعي ومدى إصرارها على تحقيق التميز ، والتملي بالعدل والسكينة كان حافزا ملحا وراء هذه الإبداعات الواعدة المغترفة من بساتين الجمال، و المتر نمة بهموم اليومي والداعية للحق والصلاح.
نحن على موعد مع الرقة والعذوبة، وشموخ الحضور في أسمى تجلياته وأروع صوره الشاعرية ،مع قلم ناعم سامق ضليع بعيد عن التكلف ،بارع في تنميق الحرف وإتقان فن العزف بالكلمات الدالة المترجمة لطيات دفين نفس المبدعة ‘’ فاطمة المعيز ي’’، صوت يصدح بالزجل، و يعانق السماء بمواويل غيوا نية ساحرة، تجتر ذكريات الزمن الجميل.
التعريف بالمبدعة :
زجالتنا الشامخة’’ فاطمة المعيز ي’’ ابنة مدينة آسفي الجميلة ،أنثى قوية عصية على الانكسار ،ارتوت من غدير الشعر كمتنفس قوي ذاب في أعطاف الوجدان، ولجت عالم الكتابة من بابه الواسع، أبدعت زجليات لافتة بدارجتها العبدية الشامخة الأبية لارتباطها بالبادية والناس، بها نحتت صيتا ومكانة باذخة على خاصرة النجاح والتألق ،تبنت طرح المرأة بامتياز، ذادت عنها باستماثة لا تضاهى، فكسرت بذلك تلك الصورة المعيارية لحضور المرأة الخجول الباهت.
لا تكف مبدعتنا تجوب فضاءات خصبة للقصيد الحداثي، وترتاد آفاق بعيدة لزجلها الجميل.
بحق إن تجربتها رائدة في الكتابة النسائية، زاد من ألقها حضور ملتقيات واعدة مما جعلها تتبوأ مراكز ريادية، إلى أن صار لها بجدارة واستحقاق حصة الأسد في العمل الجمعو ي .
تتالت نجاحاتها إلى أن فاضت حروفها بمنجز إبداعي أنيق سنة2017 ،و بوح إنساني دافق طبع ببصمة بدوية أصيلة، تتبنى قيم المحبة والجمال، و تتدفق بأجمل المعاني، وترسم أندى المطالب النبيلة ذات المنحى الإنساني، الذي منها طرقت بثقة وشموخ دواخل المجتمع...
عنو نت ديوانها الأغر "ضفا ير لالا" كباقة مزهرة من ست وعشرين قصيدة، على امتداد عشرة ومائة من الصفحات.
تمخض هذا المتن الرصين عن ثقافة معمقة مستفيضة، بصمتها أجواء البادية، حنكها تمر س بفن الملحون.. عشق العيو ط المرساو ية حد الهوس.. قراءات متتالية لمتون الزجل المغربي وارتواء بالشعر الصوفي لعبد الرحمان المجذو ب، فضلا عن دراستها الأكاديمية المعمقة..
لكل هذا جاء زجلها ضفائر من القصص الشعبية والأمثال العامية والملحون و العيطة و الموشح والكلام المنظوم، كأنه "مثجة" عروس مضفورة من الجوهر.
دلالة الغلاف:
على الغلاف بدت صورة صبية بوجه صبوح فاتن
الملامح، تزدان بضفائر تتأرجح على الصدر، تختال في أبهى نظارة بعيون باسمة للغد المشرق ، تطل عذراء بطرف خفر وقد مياس، تنحت ظلها باذخا، تومئ بشموخ من شق بوابة كأنها تشرف من هودج عربي.
و جه بهي يرقى بالطهر والقدسية، يجسد صورة المرأة العربية المصون كحلم وردي، يحيل تلقائيا على مضمون الديوان، و يجسد العنوان صورة وملامح.
تتملك المبدعة ناصية اللغة ،تحتضن الحرف الجميل، تعانق حلما ساحرا بعطاء الفكر ورقة الأحاسيس، مما يؤكد أن للمرأة المغربية قيمة فكرية واجتماعية وإنسانية، جمال طلعة لا يجف وعطاء فكري لا ينضب ،يشي بالكثير من الواقع النفسي والثقافي والإنساني .
ما يثير الانتباه لون الصورة البني.. هو لون التراب والبادية، ذاك يعكس بقوة مدى الارتباط بالبيئة والأرض والوطن.
دلالة العنوان:
العنوان الناجح عتبة دالة أساس، تفك مغاليق النص، تبدد غموضه، و تعين على قراءته برفق و أنا ة.
جاء العنوان هنا جملة إسمية، مبتدأها "هذه" حذف للتخفيف، وبقي الخبر بعده المضاف إليه "ضفا ير لالا".
عنوان جذاب عميق الإيحاء، يضج بالذكرى والانسان و التاريخ.
" لالا" رمز مغربي لامرأة حرة شريفة، عالية المقام باذخة الشأن رفيعة القدر شامخة و محترمة بلا حدود..
"ضفائر" دليل حسن المرأة التي تمتلك خصائص مميزة ،تصبر بعناد على تربية شعرها وتجميله بالحناء والأعشاب، تطيله لتختال به أسود فاحما نابتا من شغاف القلب، نابعا من شعاب الروح كبصمة نوعية، و دليلا لأنوثة عربية و طلعة بهية.. تقول:
" من عرش الكسدة
ناضت ضفرة
من قلم لالة الحرة
سالف لالة
تكول عاود بركي يبري..
يا السالف يا اللون الغري" ص19
صيغ العنوا ن قصدا بالدارجة دلالة على لغة المتن الشعري، له جمالية مدهشة وأصالة نابعة من التراث، بملامح نحتت من التاريخ والذاكرة المغربية..
يشد الانتباه ترغيبا لولوج الديوان الندي المشاكس، فتفكيك الدلالات بشغف وامتاع.
 المشهد اللساني:
إنها زجليات متمردة جامحة تلخص ندوب الماضي وخيبات الحاضر، تستشرف المستقبل بعين متفائلة.
تطرز بعشق آفاق بعيدة، تعانق الأمل، تكسر القيود ،تعد بحلم منفتح على حياة ديدنها المحبة والسلم، بحروف خلاقة مكتظة برؤى تتنفس الحرية، تتدفق بالجمال، وتستجيب لنداء الذات على أجنحة الخيال الحالم.. تقول:
"خلي ضفا يرك
شعا ع خليهم جمرة
خليهم كمرة نابتين حر اكص
في خدود كل مرا" ص 20
في مهب الزجل الأنيق بحرف التاء تتداخل مجموعة من الطقوس والتقاليد و الأبعاد الإنسانية والاجتماعية ، تتهادى زجليات شامخة على وهج رؤى عميقة بأسرارها البعيدة ، تهيم بنا إلى الزمن المغربي الجميل، زمن الجمال الحقيقي والطبيعي، حيث كانت الضفائر رمز جمال المرأة، تفيض جداول أناقة، تجسد ملامح باذخة من الثرات الأصيل، تستحضر أسماء عتيدة و أماكن وازنة، ظلت حاضرة تسكن الذاكرة ولا تحيد، تفكك صمت الذات والدواخل ،و تدعو الروح لتورق وتزهر باقات كرامة وإباء ،لعل د ليلها هذه العناوين الساحرة :
(ضفائر لالا ، القبة، جو يهرات، دار الضمانة، القنديل، حرف المعاني، العرصة..)
 هذه بعض ضفائر المبدعة :
 ضفير ة الاستقبال:
زهوا بانتسابها للمغرب افتتحت المبدعة ديوانها بمدخل بهيج، دليل سخاء حاتمي وطيبة قلب، ترغب في ولوج محراب تجربتها الابداعية ..فتقول :
"كلت نصبح ونمسي عليكم
بمخفية عسل
وما كرهت نخليكم تر بوا النحل
وتحسوا بمحبتي ليكم lلي كد الجبل."ص12
-ضفير ة العشق الإنساني:
سنغوص في رموز’’ ضفا ير لالا’’ على لسان المبدعة كما جاء في أول ديوانها:"ضفا ير لالا حروف صيغت ضفيرة بإحساس أنثوي صادق لا يأبى إلا المحافظة على موروث، يعتبره هو الأصل ...لكن دون أن ينفي كينونتنا وحمولتنا التراثية المغربية بكل أطيافها".
إ نها حروف تضج بالعشق الإنساني، منتقاة بحذق وأناة، مليئة بالشجن والقلق الوجودي، تثمر جرأة وصراحة غير معهودة، تلخص أفكار المبدعة هواجسها و غيرتها على المرأة بشموخ وأنفة، تنبع من عاطفة صادقة و مشاعر إنسانية نبيلة، مأتاها الصفاء و الطهر.. تقول في قصيد ‘’ضفاير لالا’’:
" ناضت ضفرة
حنانيها جرحة
سالت بالمكتوب
كلنا دابا تبرا
دابا يتفك تخبال المروة
علالي مرتاني بمرة."ص19
تركب المبدعة صهوة المجاز والانزياح بصيغة المؤنث، تستجلي كوامن النفس، تناغي سكينة الذات، تسبح في عرصات مخيا ل حالم، تنحت أصداء من ملاحم تاريخية، توثق لفترة اجتماعية من أرض عبدة المشهود لها بالكبرياء والكرامة والنخوة ، سجلتها الذاكرة الشعبية النسوية كقصة خربوشة وغيرها، ممن تغنين با لعيوط ..تقول في قصيد’’ ر ومني’’: 
"رومني
يا زمان الحركة اشحال من
شهد اتعيوط
خربو شة بركة
حصبة حوزية.. ومر صاوي "ص57
 ضفيرة روحية : 
تضمن الديوان ضفائر روحية صرفة، تناولت الحديث عن الإيمان و الأولياء والحضرة، دليل تشبع روح المبدعة بالتدبر و المنحى الصوفي.. 
تقول في قصيد القبة:
"قبتي أنا
قبة وليها باب
قبة ما تشبه لقباب
قبة يجري فيها عودي
يسيح فيها حلاوة براد ي"ص23 
بنفس القصيد:
‘’نعيط على اجوادي
على اسيادي يجولوا
في الجا يد ة به بلادي
يدعوا لولادي" ص24
ضفيرة وطنية:
على امتداد مساحة القصائد نجد الو طن حاضرا بقوة كزمن جميل، كقيمة شامخة، كرمز للانتماء، كتقاسيم ذاكرة عتيدة.. 
وتقول بحس وطني قوي:
‘’يا بلادي ياظل المظلة
الكبير lو خا ت نقلق،
ما ند وز ك
ما ننسى حوزتك لي، يا مغرب الخير’’ص39 
وتهتف بحبور عارم:
"فرح يا المغرب
ما بقيتي في الشهد غريب
تكلع ضيمك من الكليب
وبان غرسك في أفريقيا قريب.’’ص66
ضفيرة اللوم و العتاب:
بدارجة عبدية قوية تلوك غصصا، وتلوم بحدة.. بقولها:
"يا القنديل مال فتيلك ذبيل
ما سح دموع لقهر فكل ليل
يا القنديل مال زيتك هبيل
مال طريقك عكابي"ص91
اللغة:
زجل أنيق أبي من عبدة الشامخة ،يهدي لغة متمردة مشاكسة وعصية على المعتاد، تفجر الخيال الجامح، وتزهو بثراء من الأمثال والحكم الشعبية و التراث الأصيل.
تصرخ الحروف بجرأة واسعة ،تنبئ عن نبرة انتقادية للمجتمع، ولا عجب لقد تنفست المبدعة من رئة تراب الشاوية العتيدة، واغترفت حد الثمالة من فيض خيراتها وشموخها وقيمها.
يقول د عصام شرتح:
‘’ المغامرة في جوهرها مجازفة في الشكل اللغوي، ومجازفة في الرؤيا، والشاعر إن لم يغامر ويجازف بجرأة فنية واقتدار لغوي جذاب ليس بشاعر.. لأن الجرأة هي أس الإبداع إن لم تكن شرارته القادحة (8)
حتما لعبت طبيعة البادية بعناصرها المكانية الساحرة ومكوناتها اللونية وصفائها المطلق دورا فعالا، في تشكيل ملامح الحروف البهية الوارفة .
أما المعاني فمنجم إنساني، مكتنز بالنبل والصدق، يعكس الروح الشفيفة، التي تتدفق من الألم و تعج بالآهات، تلم شعت الماضي، تلخص معاناة إنسانية ،فارستها امرأة عبدة لما تعرضت له من انكسار وتمزق روحي وتهميش عاصف .
--------------------------------
(8)مفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد ص63
لكل ذاك طرحت المبدعة أسئلتها صادمة حارقة بعمق فلسفي ، كما فعلت في قصيد ‘’ لا تسولوني’’ :
"لا تسولني يا لحبيب
على لعمر آش بقى فيه
بلي باقي هد يتو ليك
نكتبو كتاب بمعانيه
ويكون هدية بين يديك"ص27
و ظفت معانيها التماسا للحب و التسامح والنبل والتواد، حلقت بأجنحة خيال قدير، لا تكف تردد...
ما كان ا لحرف إلا رسول الوجع.
 الخاتمة :
قال ‘’ابن عربي’’: "ما لا يؤنت لا يعول عليه ".
هنيئا لكل امرأة امتطت هودج شموخ فكرها، ذللت كل الأشواك، أحدثت تصدعا عميقا في جدران الجمود، أخرست بحرفها الألم، و تمكنت أن تكون فاعلة منتجة بفكرها النير.. 
شعا ر ها بيت أبي القاسم الشابي :
و من لم يعانق شوق الحياة تبخر في جوها واندثر.
------------------------------------ـ
 المراجع :
 ديوان الزجالة ذ فاطمة المعيزي ‘’ضفاير لالا’’
 ذ إحسان عباس’’ تاريخ الأدب الأندلسي عصر الطوائف والمرابطين ‘’دار الثقافة بيروت ط5
 عباس الجراري الزجل في المغرب القصيدة مطبعة الأمنية الرباط 1970
 عباس الجراري الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه الجزء الأول مكتبة المعارف الرباط
 فتوحات ذ إدريس المسناوي ط 1 \ 2016

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هشام اوحنان القصيدة الحاصلة على الرتبة الثالثة في صنف الزجل (( زريبة الكلام)) الحال طايح جايب سهم مسموم وشاعل نار الصهدة والدمع سايح ع الخد شوم جايب من حروفو رعدة الواد مالح ماه مطلي حموم وجروفو دات جبح الشهدة يا الزمان الجايح لحتيني ف واد مانعرف نعوم مانعرف الشوك مالوردة همي على صدري لايح نخسة و شلا هموم   لايح من صباط الحروف فردة نوحي عرى ع الفضايح وعرى ع المكتوم خلا من دمعي دمعة وحدة يا حرفي الملاوح بين ورقة وقلم معصوم شحال قدك تنهد من نهدة شحال قدك تسامح المغلوب فينا مصدوم مايعرف لطعام بنة مايعرف اليوم مالبارح السر فينا مكلوم طالب نص الحنة طالب يمسح دمعي السارح طالب منين يبدا البوح معلوم ما عرف يتمشى ولا يتمدى الحال باكي والصبر دابح جامع بين ساعة ويوم جامع بين سيف ومقدة شكون يهز راسو   يصفي السما م النجوم يهز الكلام فكاسو يروي الكلمة ب حر مقسوم و يهز م الحلمة نعاسو الحرف حلو ف تغماسو وانا عبد مضلوم خديت م المعنى ساسو و معين الكلم...

عبدالهادي ابوياسرحنيف و القصيدة ا لحاصلة على الرتبة الخامسةفي صنف الزجل

عبدالهادي ابوياسرحنيف القصيدة الحاصلة على الرتبة الخامسةفي صنف الزجل  المرتبة الخامسة كنتم في مستوى الانتظارات ...بنصوصكم الرمزية ..وكثافة حضوركم ..نسجتم إزار السجال محبة عارمة .. اعتليتم بهاء الشغف والتطلعات .. نشكركم جزيل الشكر ..ونتمنى لكم رحلة موفقة في دروب الإبداع والتميز .   وفي انتظار سجال آخر .. لكم منا كل التحية والتبجيل رمضان كريم وكل عام وأنتم بحرف جميل هجهج يالبحر وخرج لوليد كتر الهم وزاد في عدابو الفقر وقلت الشي هي سبابو هجهج يالبحر وخرج لوليد قال يغامر ويدير بحال ڭرانو لميمة طلباتو وترجاتو هجهج يالبحر وخرج لوليد الجهد التقادى والحمل تقال هدا زهرو والرجوع موحال هجهج يالبحر وخرج لوليد حلمتو تبخرت ولات ندمة بين مواجو ما بفا حدا ميمتو ما بلغ مورادو هجهج يالبحر وخرج لوليد لا غربة لا فلوس   وسط لبحر ماتت النفوس هجهح يالبحر وخرج لوليد عالهادي ابو ياسر عبدالهادي ابوياسرحنيف حنيف

تكريم الشاعر و الناقد و الفنان التشكيلي نور ابو حنيفة