الناقد عبد الرحمن بكري و قراءة نقدية في قصيدة ” شعلة قسم“ للشاعرة مليكة جباري
1# على سبيل التقديم
” شعلة قسم “ هو عنوان قصيدة نثرية للشاعرة مليكة الجباري المتسمة بحضورها الوازن على مستوى الإبداع الشعري ، والمعروفة بنشاطها الكبير في منتديات فن القول ..ذات حمولة رومانسية تقترب من زمن الحراك الفكري والثقافي الجميل على الساحة الوطنية بعبق نضالي أصيل..
”شعلة قسم “ نص بنبرة غنائية تأخذ فيها المتلقي إلى عوالم المتعة والدهشة ، برؤية يمتزج فيها الصدق والالتزام في اصطفاف وإنصات إلى نبض المجتمع إلى حدود التوحد مع عناصر الفعل الجدي في الطبيعة والإنسان .. في اغتراف ملهم للصور الشعرية من منبع التخييل والتصوير تدثرها لبوسات فكرية وعاطفية ..مع استحضار بارع لمكون الانزياح في بعديهما التعبيري والرمزي.. وتحرر من ربقة القافية والوزن إلا ما كان إضافة جمالية زاده رونقا ونسقا في بنائه المعماري وشكله الفني
2# دلالة العنوان :
تتراقص القصيدة في بحور دلالتها على تيمة الشعلة ، حتى تكاد من شدة حضورها أن تتربع على مقصديتها في البوح ..
فالعنوان ” شعلة قسم “ كوحدة عضوية تصرح فيه الشاعرة عن رؤيتها من خلال بنية لغوية :
✓ تقترن بنداء مضمر غير معلن تقديره (يا شعلة قسم ) .. يستحضر في صيغة غير مقصودة لكنها بأفق حالم .. وانتظارات مأمولة ..
✓ترتبط بإخبار عن حدث مجهول .. لكنه معلوم مطبوع في ذاكرة الشاعرة ، منشغلة به .. متعلقة بأهميته كشعلة متوهجة تقود الرؤية وتكثف الصورة ..
فأي قسم هذا الذي ضاعت فيه كل الآمال المعقودة ..والأفكار المنشودة ؟؟
3# تيمة النور في مفهوم بناء القصيدة :
لاستكناه البنية الداخلية للنص الشعري نستأنس بقولة ليوري لوتمان : « الهدف من تحليل نص شعري النظر إليه باعتباره بنية متفردة صيغت طبقا لقانونها الخاص » لذلك سنحاول في مقاربتنا التعامل بهذه الأطروحة ، فتيمة النور تتربص ببنية القصيدة عن سابق إصرار وترصد حتى صار عمقا مرتبطا بكل مكوناتها ومقوماتها في أبعادها الرمزية وانزياحاتها الدلالية .. فهو يخترق مجالات الذائقة بوعي تام يعلن على انتماء صريح على مستوى بنية التفكير للشاعرة .. تستحضره كوسيلة فنية تعبيرية ومقصدية في الرؤية لهذا العالم المتعدد والمتنوع ..
شعلة / ضوء/ الشمس / قمر / الفجر /
إن هذه المكونات تعبر عن مكنونات سيميائية تروم الوقوف عند علامات محددة في السياق العام للقصيدة ، كمسوغ للقارئ في النبش عن خصائص بعض الشطحات التنويرية من داخل النص في استعارات وإشارات واضحة كالارتباط بالعلم والبحث عن الحقيقة كأفق يؤسس للاجتهاد والبحث والتنقيب وكل هذا يتم عند الشاعرة بكلمات” أخبريه وعلميه وذكريه “ وهي مفردات راقية تؤمن بقضايا الاستحضار والتاريخ والتعليم في ارتباط بقيمة الحراك والمشاركة في الرأي والإخبار لتحقيق مجتمع العلم والمعرفة
تحن إلى نقطة الضوء
وأخبري التائه بين الوجوه
عن وجه الحقيقة
ذكريه بالشمس إذا نسيها وتنكر
كما يلتئم بوح الشاعرة بأهمية الاختلاف كقيمة فكرية بحمولة تقدمية ترسي دعائم التعايش والتوطين في سلام وتسامح :
ويهجر الغروب مدن الملح
وتلتحم فراشتي بباقي الأطياف
يتوحد الحلم هنا (الفراشة) بباقي الأطياف ( كل الأفكار المختلفة فيضيء الكون بنور المحبة والسلام ..وهي لحظة إشراق فكري يتوهج برؤية مستقبلية على مدائن التخلف والظلام ..
كما تتوجه بتفاؤل كبير للمستقبل وهذه طبيعة الإنسان المناضل الحر .. مقابل ذلك ترفض بشدة فكرة التوجه للماضي والعودة إلى جماجم الموتى لأن ذلك لن يجلب إلا الألم والانكسار والدمار
سيحترق الماضي ..كتلة ..كتلة
سيهجر الغروب مدن الملح
كما تنشد :
علميه ألا شيء يتكرر
سوى الألم
كأنامل روح مكسورة
وفي موضع آخر ، تحاول الشاعرة تقريب رؤيتها أكثر لموضوعة الحرية :
أخبريه
ألا يلجم حاضره
أن يتنفس الفجر
عندما يشتد الظلام
أفق جمالي عميق يواكب التوجه الإنساني الحالم بإحيائية للفكر الجميل لعالم تسوده الحقيقة والحب والحياة ..
4# الحلم في بنية الدلالة وعمق الإحالة
” الفراشة على زجاج نوافذي “ تجاور الحلم في وضوح الرؤية .. ” غير ذابل الأطراف “ يحافظ الحلم على قوة مناعته في سياق المقاومة والمداومة ووجاهته وأحقية مشروعيته في الإيمان والاعتناق والرسوخ ..
كما تتميز الفراشة كمكون طبيعي بجمالية ومتعة للعين ، وهي استعارة الفكرة المتنورة التي تعلن الشاعرة أنها ما زالت ترابد سقف الذاكرة في شفافية ووضوح .. وإيمان راسخ بتحقيقها على مستوى الفعل والعمل والإعلان ..
” بين فجوات الزمن الأجنحة تتكسر
تحن إلى نقطة الضوء
فتحترق “
لأنها ما زالت تحافظ الفراشة ( أي الفكرة )على راهنيتها وتوهجها رغم السنين وتغير الأمكنة وجريان مياه كثيرة تحت جسر واقع متبدل و متحول .. ورغم الانكسارات الذاتية والمعوقات الموضوعية ، فهذا يزيد من إصرارها على معانقة الحقيقة ، والموت في سبيلها والتوحد بقيمتها المطلقة ..
هو حنين جارف إلى بريق شعلته قسم .. أي قسم هذا الذي يأخذ كل هذا البريق .. ؟؟ والذي تحولت كل الوعود المرتبطة به إلى سراب وأكاذيب .. بعد أن ” غابت حروف العطف “ واختفت كل الضمانات والتوضيحات ..عن قسم شكل شعلة متوهجة في طريق الآنتظارات ..
لن ندخل في طبيعة هذا القسم ..قد يكون مرتبطا بواقع سياسي (اشتهر بقسمه) أو وعد عاطفي عابر أو حلم إنساني مؤجل ..
ولنتقدم أكثر في مقاربتنا لما يكتنزه النص من إرهاصات فكرية تتوجه نحو المستقبل بكل عزيمة وثقة :
تعلم الهروب تحت سحاب بردي
أنا لست هنا ..
أنا فقط اسم ..بل أنا فعل
سقطت من كتاب بلا عنوان
علميه ... إذا
ألا يعتنق دين التيه
دين الجفون بلا عيون
هنا تحريض جميل .. على الهروب بمعنى الابتعاد عن ( سحاب بردي) وهي كناية عن الأوراق و الكتب الصفراء التي تحوي الأفكار القديمة والطروحات البالية التي لم تعد طريقها ومضامينها سالكة نحو معانقة الحلم
فالأنا تعوض الحلم والمستقبل في إشارة واضحة من سقوطها واندحارها ..فصارت بلا أهمية .. فتحولت إلى كتب للتيه .. والترتيل دون فهم ولا استيعاب ..
5# على سبيل الختم :
هي قصيدة بلسان متعدد ورؤية متفتحة تستجيب لما يختمر ذات الشاعرة من أسئلة وتصورات ..جعلتنا نقف على خصائصها وفي جوانبها المعرفية والفكرية والاجتماعية ..فهي تنطلق من واقع تعي تفاصيله الهوياتية والانتمائية ..فرصدت حلما واعيا بصعوبة التحقق في بنى اجتماعية ما قبل حداثية ..يحثها فعل الأنا في إسقاطاته النفسية والجمالية ..تؤمن بفعل الكتابة في طقوس الصدمة وحقول الدهشة .. بإصرار تظل فيه أطراف الفراشة غير قابلة للتوقف عن الحراك وغير ذابلة ..بل حية تحفر وتنبش في أسئلة الواقع وما يستلزمه من أدوات للتحرر والانعتاق
عبدالرحمن بكري




تعليقات
إرسال تعليق