الناقد عبد الرحمن بكري في قراءة لقصيدة ”حبك يا وطني“للشاعرة عبيدة علاش..
الذاتية والموضوعية هما وجهان لعملة واحدة في كل أثر إبداعي ... في جدليتهما تتحقق الصورة المثالية للأدب ، ويترسخ مطلب فن القول (الشعر ) في تناسق رفيع يساهم في بناء المبنى والمعنى ، وتناغم رحيم يزكي مستوى الصور والدلالات ..
ومن هنا يمكن اعتبار قصيدة (حبك يا وطني) للشاعرة عبيدة علاش نصا دراماتيكيا تلعب فيه الذات المحرك الأساسي في التفاعل الوجداني والتقابل الجمالي مع معطيات المحيط و الموضوع ( الآخر ) ،في انتقاء واع لتيمة الوطن كمناسبة مواتية لتفجير طاقتها في التعبير الشعري .. تؤطره رؤية موضوعية بطابع محاكاتي ينطبع في الذات فيصير محفزا ودافعا يترجم بشكل فعلي وصادق ذلك التماهي المنجذب لصورة الوطن في المخيال الشعبي الجماعي، ولما يعتمله من مشاعر وانفعالات عاطفية وانجذابات سوسيو اجتماعية واصطفافات فكرية وإيديولوجية ..
فالوطن يشكل على الدوام موضوعا له أهميته القصوى في رسم صور الولاء والتضحية في كل مجالات الإبداع والتعبير الفني والثقافي كالغناء ..والشعر ..والقصة ..والسينما ..كما يختزل صورمتعددة من الأب والأم والحبيب والمعشوق فيظل تيمة تلهب وجدان الشعراء والكتاب والفنانين
★ الانتماء بين دوافع الحب ومواجع العتاب :
نحن اليوم مع قصيدة غنائية بنكهة رومانسية تتخذ من تيمة الوطن جسرا موضوعيا ومعبرا لغويا إلى حقول انتماء الذوات .. بصيغة الاحتفاء للإنسان .. إنها سيرة عشق لوطن يسكن الذات حتى النخاع ..تقدم فيه الشاعرة عبيدة علاش آيات ولاء واعتزاز بانتمائها ، فترسم ذلك بتعابير في غاية الدقة والوضوح .. ولتحقيق ذلك تلجأ إلى معجم شاعري في مفرداته ..وجمله الشعرية المتسمة بسلاسة وحبكة وقدرة متمرسة على شد القارئ إلى مراسيم الاحتفاء ..بألوان زاهية الانتماء ..
ورغم كل هذا السيل من مشاعر الارتباط والتوحد والعشق المتدلية تحت سنية قلمها ..إلا أن هذا لم يمنعها من بعث رسالة عتاب مرير واضح المعالم لكل من يساهم في تدني وتصغير صورة الوطن .. وتبخيس حضوره المشرق .. وتيئيس عشاقه المتيمين به ..وما اختتام النص بأسئلة عن مآل الوطن في نهاية القصيدة .. إلا دليل واضح وقطعي يوازي مكانة الوطن المعشوق في شرايين الجسد الولهان .. كما سنرى في المحور الثاني :
من هتك أستار صفوي
من أتلف قيثارة لحنى
من اكتسح حصاد حقلي
خطف اللقمة من فمي
من خنق أنفاس حرفي
من أيقظ شجني
لكن إذا تعمقنا في هذه الصرخة القوية التي تسائل البنيات السائدة من مؤسسات الحكامة والرقابة ومؤسسات المجتمع المدني والسياسي عن هذه الفوضى العارمة والتسيب والنهب واللصوصية المقيتة والاستبداد الظالم وعن تفشي كل مظاهر التخلف والقلق والظلم ..فماذا يا ترى بقي من حب الوطن ؟ كيف السبيل لعودة صورة الوطن في أخيلة المنتمين له ؟
هل خصائص تضاريسه ومناخه وغنى ثقافته و معالمه الجماليته كفيلة باستمرارية روح الانتماء لدى المنتسبين له ؟
مع كل هذا .. يتسم النص الشعري بموسيقى وجرس داخلي.. تم بإيقاع صوتي ينقر خصائصه من قافية تترنح على روي منته براء تارة ونون تارة أخرى يزيدان من فتنته وسحر كلماته على سبيل المثال (نهري / نحري / صدري / عطري / ثغري ) ثم ينتقل إلى ( غمي / دمي / فمي / لحني ) ( وطني / غصني / حزني / لحني / شجني )
★★ في الصور الشعرية بين الواقع والأخيلة..
تتماهى لوحة ملموسة تسكن أطراف الطبيعة مع صورة شعرية عبر عنها القول لما يمور في الوجدان ...
يتفرع عن النهر سيل شلال مياه منهمرة من تضاريس مرتفعة .. كما قد يتحول الشلال المتساقط إلى سيول مياه نهر جارف .. في المقاربة الانزياحية تنفلت صورة النهر إلى قلب نابض خافق بالحب .. والشلال إلى شرايين في عملية متواصلة متجددة ومستدامة ..تعكس مشهدا طبيعيا حقيقيا بتماثل فذ في الوجدان الإنساني فتبدو صورة حية ناطقة بحب حقيقي يتفاعل فيه نبض نهر القلب وجريان شلال الشرايين ..
ثم يتحول التماهي في العشق إلى تجسيد عضوي هذه المرة ..فبين خصلات الشعر وحدود النحر مسافة جسدية تبرز أهمية الولاء لهذا الانتماء عند الشاعرة والتضحية .. بالجاه والجمال والروح .. وهي إشارة ذكية مضمرة في تنايا الرمزية والإيحاء
حبك يا وطني
شلال عشق منهمر تدفق به
نهري
نسيمك العليل يداعب
خصلات ولاء انسدلت على
نحري
علمك خفاق في ذرى
المجد وساما على
صدري
آيات عز وفخر تنشد يا وطني
شموخك عطري
أتنفس هواك فيزهر شوقي
ومن سراجك البهي
تنجلي عتمات غمي
حبك يا وطني
يسري مجرى دمي
يا عشقا منغرزا في كبدي
بنورك تشرق بسمة ثغري
فكيف لا تشدو يا وطني
عنادل قلبي
تغريدات وفاء على غصني
ونسيمك العذب يداعب خمائل روحي ؟
كيف لا يستكين لهمسك
ألمي وفي حبك تسطع شمسي
ترسل خيوطا من ذهب ؟
أتدثرك يا وطني لحافا يبدد حزني
أنسجك رداء يواري سوأتي
ينتفي وجعي
يتمم على أفنان العز بألسنة من لهب
من هتك أستار صفوي
من أتلف قيثارة لحني
من اكتسح حصاد حقلي
وخطف اللقمة من فمي
من خنق أنفاس حرفي....من أيقظ شجني ؟
بقلمي عبيدة علاش 25/08/2018
********************************


تعليقات
إرسال تعليق