الناقد عبد الرحمن بكري في قراءة تحليلية لقصيدة كسوف البسمات للشاعرة خديجة بوعلي
مقدمة استهلالية
هي نسائم رومانسية متلفعة بخيوط أشواق دفينة تعبر في سرية تامة تجاويف النفس الجوانية للشاعرة .. فتصدر عنها مناجاة أقرب إلى التناول الصوفي في تصريف بطاريتها المشحونة بمشاعر إنسانية عميقة في تمظهراتها الطبيعية ..والنفسية ... فتتخذ من الطبيعة معجمها التداولي للاقتراب من حرفها والتقرب من ذاتها .. وسبر أغوار نفسيتها وأسوار رؤيتها الشعرية واقتحام شأنها الداخلي .. وقدرتها المعرفية على صياغة بنائية واضحة المعنى والمبنى . .
ويبدو أن الشاعرة خديجة بوعلي تتناول مفردات أشعارها باحتراز كبير وتدقيق ملفت حتى لا تترك للآخر كان قارئا أو قريبا من محيطها مساحات للتأويل الذاتي لذلك فهي تتدثر بإزار العفة في اقتناص لغتها ومفرداتها من معين صوفي يختزل في ذاكرتها أحداثا ووقائعا وتجارب معينة و مختلفة ومتنوعة في ذاكرتها المحتشمة ...فكأن القصيدة مخزونة في ذاكرة الشاعرة ..مهيأة سلفا ... ذاكرة تأبى الرحيل حتى أخر نقطة في الحبر ..تعشش في أركان بوحها وجملها ونبضها ..كل الصور والمحطات التي سنرى في القصيدة تسكن ذاكرتها ... تبث شكواها عبر أثير السماوات ..كأنها تعيد ملحمة وجودها في مواقف ممتلئة بالغضب .بالقلق ..بالرفض تشعرنا في كتاباتها بانعدام الأمن والارتياح .. فحين تكتب قصيدها ..كأنها في مواجهة حارقة مع الآخر .. أليست الكتابة مكاشفة عن ما يعتمل الذات ..لكن من دون بنية الكشف عن حقيقة مكبلة بخبايا واسرار دفينة ..فيتيه المتلقي في كثير من الأحيان وسط لجج سفينتها العابرة خلسة مرافئ الروح ...
كيف استطاعت الشاعرة استغلال اللغة من أجل إيصال إشاراتها ودلالاتها للقارئ والمتلقي ..هل استعملت لغة مباشرة وصريحة أم بمزاولة أشكال أخرى في الكتابة كالإحالة أو الإشارة أو الرمزية .؟؟؟
لنلج الى النص الشعري من بوابته الرئيسية ونقف على هذه التداعيات من خلال الشفرة الأولى ..العنوان
★دلالة العنوان في بنائية القصيدة (كسوف البسمات ) :
يشكل العنوان دعامة أساسية في بنية القصيدة .. يمنح إشارات أو إحالات في الاتجاهين ..يسهل معه التعامل مع النص في مقاربة تؤدي إلى توغل في النص دون امتلاك معرفة واقع وظروف الشاعرة ..
*/ كسوف (كسوف الشمس ) هو حركة فلكية تندرج في إطار الظواهر الطبيعية (لا حظوا معي المعجم الطبيعي المتحدث عنه في المقدمة ) وهو أمر يحصل بتراتب زمني غير مستقر في بنية الزمان ..
وإذا كانت عملية الكسوف تتحقق حين تكون الأرض والقمر والشمس في وضعية مستقيمة ويعبر قرص القمر قرص الشمس فيحصل الظلام .. هذا على مستوى الطبيعة
*/ بسمات جمع بسمة وهي حزمة نور تهطل على حقول الروح ..فتنعكس على المحيى انفراجات تتربع فوق مساحات الجسد ..هي إذن وسيلة تعبيرية تلامس الرضى وبلوغ نشوة الاستلطاف .. وغاية يتوسلها الإنسان في الامتلاء والاعتناق فلسفة وثقافةوتحقيق السعادة ..
لكن كيف يمكن مقاربة كسوف البسمات في تماثل الصورة النفسية عند الشاعرة خديجة بوعلي ودلالته الطبيعية في محيطها
حين تتحقق في شكل مستقيم البسمة وتعبرها الذاكرة يتحول الوضع إلى حزن
كسوف الشمس في عبور القمر يؤدي إلى الظلام ( دلالة طبيعية )
كسوف البسمات في إيقاظ الذاكرة يؤدي إلى الحزن ( دلالة نفسية )
نحن أمام صورة تعج بالمشاعر والأحاسيس في تربص دائم وواضح بدلالات تتقاطع فيها النفسي والطبيعي
هل يسعفنا النص في مواصلة هذه المغامرة التحليلية ؟؟ بين الصورة الطبيعية وإحالاتها النفسية :
★★ جدلية النفسي والطبيعي في بنائية القصيدة :
سنرصد في هذه المناولة المتواضعة استحواذ المجال الطبيعي على عين الشاعرة من خلال بعض الصور البلاغية التي تستحضرها الشاعرة في نقل ما يعتملها من مشاعر نفسية ..
الصورة الوصفية في الحقل الطبيعي : الدلالة المتقابلة في المجال النفسي
اشتد الحر = انتصبت المواجع
والعواصف = أفل النبض
انقطاع التيار. = اكتظت الآهات
خفت بريق الندى. = لم يعد يبلغ شذو البلابل
على الزهور والينابيع= في القلب على حد المسامع
والأمثلة كثيرة ومتنوعة في باقي صور النص الشعري
فكلما أخذت الطبيعة وجها عابسا.. مستنفرا ..مكتشحا ..مكهربا .. حزينا ..عاصفا .. إلا وجاءت معبرة عن مشاعر الشاعرة وعن حالتها النفسية ...
هي حالة من التماهي بين الإنسان وبيئته فتنعكس تلك التقلبات على مجمل نشاطه الإبداعي وإنتاجه الدلالي
وكلما كانت مشاعرها متقلبة .. مكتئبة .. حزينة .. إلا وجدت ضالتها في محيطها البيئي والطبيعي فترسم حرفها مستغلة تلك الصور الفوتوغرافيه في التقابلات على إيقاع تفاعلي يترجم بكل صدق تلك الجدلية المشار إليها أعلاه ..
★★★ /الذاكرة بؤرة القصيدة
بعد قراءات متكررة ..وفحص دقيق للعبارة الشعرية ..في أفق فهم واقتراب أكبر من النص ..أجدني متوقفا في قلب القصيدة عند :
فقط لو أيقظتني من السبات //دون فزع // ولا زعزعة المراكب//حتى لا ترتج بالداخل // الأشياء والأوجاع والمعالم //
وظيفة( لو ) هنا للتمني والترجي ...بالإيقاظ من السبات تكتمل بدون فزع ولا هول ..وحتى لا تطف الأشياء والأوجاع والمعالم إلى أرض الواقع .. التأويل الممكن في تحليل هذه الصورة والذي قد يملأ بياضات النص ويجعل قراءتنا تستقيم لمقدمتها
السبات = الذاكرة
هنا يأخذ السبات ( لحظة استرخاء الذات واستراحة الفكر) موقع الذاكرة وكل تحريك لها هو اندفاع الأوجاع وارتجاج المعالم واستحضار الأشياء المؤلمة إلى سطح الذات ..
فالذاكرة هنا عند الشاعرة حين تعبر فوق/عند لحظات الانتشاء والفرح والبسمة تحولها إلى لحظات حزن وكآبة وشقاء ويحل السهاد في العيون وتنتحر الأحلام ويتبدد الأمل سرابا ..
ترى ماذا تحمل ذاكرة القصيدة إلينا في قلب أوجاع ظلت أسبابها غير معلنة .. ويبدو أن القصيدة تذهب بعيدا في فن الطمس واللبس والغموض واللعب على بريق الألفاظ في معانيها ومتناقضاتها أكثر من الإفصاح والبوح والإعراب..
خاتمة :
هناك أشياء تمنع الشاعرة من الإفصاح ونحن نحترم رغبتها في ذلك فالوسط الثقافي لا زال لم ينضج بعد في التعاطي مع الإبداع كحالة أدبية تعتملها أخيلة لاهبة في خلق صورها بعيدا عن كل ما له علاقة بتجربة المبدع أو واقعه ...
قد تكون أكاذيبا وأوهاما تملأ ذكراها حزنا .. وقد تكون تلك الأكاذيب والأوهام نتيجةو بلسما يكفكف الدموع وتحلو معه سواد الأيام ...
هي مفارقة غريبة .. لكن تظل هذه قراءة خاصة ضمن فضاءات لقراءات متبصرة وفاحصة و متمكنة أكثر
عبدالرحمن بكري
: كسوف البسمات
وغلقت الابواب والنوافذ
واشتد الحر والعواصف
انقطع التيار في
كل الزوايا و الجوانب
أفل النبض وانتصبت المواجع
اكتظت الآهات
بين المرايا والاصابع
خفت بريق الندى
على الزهور و الينابيع
شذو البلابل لم يعد يبلغ
في القلب حد المسامع
لطالما ابلغني البحر ان
الجزر للمد تابع
وان البسمة تقرضها سياط
الشمس بدون موانع
فقط لو أيقظتني
من السبات
دون فزع ولا
زعزعة المراكب
حتى لا ترتج بالداخل
الاشياء والاوجاع والمعالم
تتعثر في العتمات
الساعات والثواني والدقائق
يجف السهاد في المقل
وتنتحر الاحلام اللوامع
والأوهام تمتنع عن نفخ الامل
في الأكاذيب
فمن الاوهام ما يزهر بلسما
يكفكف المدامع
ومن الاكاذيب ما يجلو
سواد الأيام والاسابيع
خديجة بوعلي Khadija Bouali



تعليقات
إرسال تعليق