قراءة قصيدة " شهقة الشروق " للشاعرة وفاء أم حمزة جليد
مقاربة في العنوان ..
بعيدا عن الوظيفة اللغوية التي يستمد منها العنوان بريقه ووجاهته ..والاقتراب من وظيفته المعجمية :
★ شهقة ...كحالة جسدية تنتج لحظة دخول كمية الهواء إلى تجاويف الجسد ..
★ الشروق ... فترة زمنية (الضحى) وهي لحظة طلوع الشمس
نحن إذن أمام لحظتين في تشكل عوالم الوجود لحظة استنشاق مع لحظة طلوع الشمس أو بزوغ الفجر ..
وفي ثقافة الأدب هي لحظة ميلاد جديد / لحظة ولادة بأفق متجدد /لحظة انزياح الصورة الشعرية في بلاغة الطبيعة ..
فعن أي شهقة تتحدث شاعرتنا ؟؟ وعن أي إشراق يعلن ميلاده في بوح القصيدة ؟؟ وماذا يشكل العنوان في بنية النص ككل ؟؟
دلالة البوح والجنون :
بين بوح في وظيفة اللغة والجنون مسافة استعارة تخترق بنية النص ..أليس البوح هو حالة جنون لحظة عناق الحرف ..
فيرحل في مجاز يتجاوز المعنى المتسربل في أقطار سماء بعيدة ..ممتلئة بفيض الإشراق ... على جنباتها ينبت عش واحد بصيغة أحلام متعددة وتعشعش بلاغة الانصهار في دلالة البوح كصمام أمان ضد بواعث الجنون
بين أقطار السماء
بنيت عش أحلامي
وبوحي سفينة جنوني
دلالة السكون والهدوء :
يتلاشى سكوني في هدوء
تتوالد الأطياف
ويخضر حنيني
على تلال عارية
يختفي سكون ذات الشاعرة ( وهذه صفة تقربنا من التعرف على شخصية الشاعرة وتومئ لنا فيها بهذا البعد السيكولوجي المخترق ذاتها) في الهدوء مفارقة تخلق سؤال الدهشة ..!
وتطرح دلالة السكون والهدوء تحت مجهر المعجم ..ورغم ذلك فإني لا أومن بسكون الذات ولا هدوء السماء ..فقط لتوهمنا
الشاعرة هنا انها تعيش حالة سكون نفسي يجعلها في لحظة تأمل قصوى تختزله في تماه جميل وقوي في هدوء السماء ..فيتشكل بذلك مطلبا دلاليا يفتح على الأفق اشتهاء لحضور أطياف تعبر تلك التلال العارية .. القاحلة ...! كأني بها تلك الروح الميتة لتعيد لها ولادة من جديد فتستعيد التلال / الجسد كل رموز الحياة من اخضرار ونبض وخصوبة ..
ويأخذ العنوان كل قوته الدلالية في بنية القصيد
إنها متتاليات وتقابلات تشد بعضها للبدايات .قد أجازف في قولي أن شعر شاعرتنا مرتبط في تأصيله ببداية طالما يسافر بنا بعيدا وبحلق بنا بين أقطار السماء .. ولكنه ملتصق أشد الالتصاق بلحظة في الزمان والمكان تعود لهما لاستكمال رحلة بوحها ...حتى يتوحد في بنية ثابتة فيتمظهر من جديد في مجاز الحنين ...لحظة تهرب فيها الشاعرة بخيالها من ثقل الحاضر الموسوم بالأعطاب والجمود والألام ...
دلالة البوح بين الحنين والأنين
مع اضطراد النص الشعري في تقلباته الوجودية والوجدانية تتأجج صورة الحنين في ذكرى فوقية ويذوب البوح في وحشة الأنين على صفيحة تحتية .. كأننا أمام صورة على هذه الشاكلة
[حنين بشغف الماضي / السماء / البوح ]
[ أنين بدلالة الحاضر / الأرض / الجنون ]
لكن ما علاقة الأنين كصوت منهك من الألم والوجع بنغم ولحن كدلالة على الاحتفاء والحبور ...؟؟
الشاعرة هنا في وضع نفسي قوي تحاول أن تفتح رؤيتنا لقوة السماء في تغيير أنينها نغما ولحنا وهذا الجناس في البعد الشعري يولد دلالات جديدة في فن البوح المرتبط بلحظة الجنون في بداية القصيد لتحضنها سماء بأقطارها الواسعة ورحمتها الشاسعة ..تتوجه لها الشاعرة كأفق يحصنها ويحضنها .. في كل مرة من ورم الظلام / والرياح العاتية وهي كلها لها علاقة بما هو أرضي / حاضر انتبهوا إلى صيغة الأفعال في القصيدة تعبر عن الزمن الحاضر
يجردني
لهيب الذكرى
يحرق وقتي على نغمة الأنين
وبين يدي معالم لوحي
يؤرجحني نسيم السكون
يهدهدني صوته الشجي
يحدثني عن ورم الظلام
تجرفني رياح عاتية
إلى منبع اللحن
حيث تنبجس ايقاعاته من أرجاء فضائي
يداعب أنفاسي
ما يلفت في أشعار الأستاذة وفاء هو ارتكانها لكم هائل من المجاز فحين تستعمل بعض المفردات في مجالها الطبيعي فهي تكون بدلالة ذاتية نفسية ..
فالظلام والرياح العاتية فيما تعنيه من ظلم ومن هموم ومن أحزان قد تعبرها وتترك بصماتها لكن يظل أرجاء الفضاء / تلك السماء تمتص كل ذلك الكم من الألم وتمنحها نفسا جديدا ونسائم ربيعية تزهر معها وتقوي عودها ..وتنعم بها انتصارات ونجاحات وتحقيق ذاتي
تغدو روحي قطرة طليقة
في محيط غير محدود
كل المياه الدافقة عطشى
لا ترتوي إلا حين تشربني
ذاك العمق يناديني
ينشدني أغنية حياة
قمة في الاعتزاز ..رغم كل شيء و..تظل روح الشاعرة ترفل تحت سلال الدلال ..تغدو قطرة طليقة بمعنى لحظة فرح عطاء وافر في عالم متمدد تظل مياهه عطشى تبحث عن تلك القطرة المتسربة من الجربة المعطاء فترتوي منها ليكتمل نداء ذاك العمق في أغنية تحمل ملامح الوجود ..
همسات تتفتح أكمامها
تنبش. عن جذور صرختي
تحيكني بردة فخر جديد
يميس في ضوء الشمس
ينساب لقائي في غسق الذاكرة
لحظتها
تلاحق ألوان حلمي
هنا تعود الرومانسية لتعانق همسات الشاعرة تحفر بعيد عن أسباب الصرخة (كبوح أصيل ) ينسجها بساط فجر جديد ولادة متجددة شهقة الشروق ...تفاؤل وأمل وطاقة إيجابية تجابه بها ظلام الماضي وجبروته فتتركه خلفها بلحن جميل مترف بمزيد أفراح تلاحق حلمها المفرد هذه المرة بألوان عديدة وأنسام وجودية وقيم إنسانية جميلة دلالة على القوة والثبات والثبوت
وهكذا يصير الحنين بنغمة الأنين ويتوحد البوح على سفن الجنون الجميل ..
في الختم :
قراءة لا تدعي الاكتمال ولا الإحاطة ... هو نص منفتح على القيم الجمالية لما يتضمنه من لغة مولدة للمفاهيم تعكسها تلك البياضات بين المفردات .. قراءة ضمن أخرى أكثر مشاكسة واستفزازا
***شهقة الشروق ***
بين أقطار السماء
بنيت عش أحلامي
وبوحي سفينة جنوني
يتلاشى سكوني في هدوء
تتوالد الأطياف
ويخضرّ حنيني
على تلال عارية
يجردني
لهيب الذكرى
يحرق وقتي على نغمة الأنين
وبين يدي معالم لوحي
يؤرجحني نسيم السكون
يهدهدني صوته الشجي
يحدثني عن ورم الظلام
تجرفني رياح عاتية
إلى منبع اللحن
حيث تنبجس ايقاعاته من أرجاء فضائي
يداعب أنفاسي
يعبرني خلود زهرة الربيع
يحييني
تغدو روحي قطرة طليقة
في محيط غير محدود
كل المياه الدافقة عطشى
لا ترتوي إلا حين تشربني
ذاك العمق يناديني
ينشدني أغنية حياة
تنثر ريحان عطرها
في قلب الوجود
همسات تتفتح اكمامها
تنبش عن جذور صرختي
تحيكني بردة فجر جديد
يميس في ضوء الشمس
ينساب لقائي في غسق الذاكرة
لحظتها
تلاحق ألوان حلمي
وفاء أم حمزة ج



تعليقات
إرسال تعليق