الانزياحات الشعرية في نصوص يحيى السماوي النثرية ديوان - حديقة من زهور الكلمات تقديم – طالب هاشم الدراجي
((الجزء الثاني ))
الانزياح في الشعر ، أصدق عناصر الشعرية في النصوص النثرية ، بعد أن تناولت العنوان في الجزء الأول من بحثي ، (حديقة من زهور الكلمات ) سوف أقطف منه ما يُحقق لعنوان بحثي تطبيقاته ، لعل فيه ما يُرضي حاجة القارئ من الانزياحات التي سأشير إليها وأفرزها للاطلاع على بنيتها الدلالية وما تعكسه من جماليات الاستعارة والتشبيه والمفارقة وما شابه ذلك من أدوات الانزياح التي نجدها في النصوص ، وطالما طلب مني البعض من القرّاء أن أقدم أمثلة عن الانزياح وأتمنى أن أوفق في تلبية طلباتهم وأفرز ما أستطيعه لهم خاصة ، في هذا الديوان .
في النص ( هي ) يتجلى عنصر المفارقة التضادية ، كنوع من أنواع الانزياح (الدلالي )حيث يقول الشاعر :
هي
كفرَت بايماني
فأخرجتها من جحيمي
وأنا ..
آمنت بكفرها .
فأدخلتني جنتها
=========
مستوى التضادد هنا بمستوى المفارقة ((كفرَت – بايماني )) و(( جحيمي – جنتها)) ومستوى المفارقة هنا بمستوى التضادد ((آمنتُ - بكفرها )) و(( فأخرجتُها – فادخلتني)) أن هذا اللعب في عملية التقديم ((هي)) والتأخير ((أنا)) يفتح مشهدية الإسقاط ، الاضفاء يصعد هرميا ((هي كفرت )) وينزل عشوائيا ((آمنت بكفرها))
عملية التبادل هنا ليست مقايضة ، لكنها مرادفة ، انزياح - استعارة - مفارقة - تشبيه - ابدال ، أدوات هذا المقطع جمعت عناصر غير متكافئة ولا متماثلة ، تكفر بايمانه فيخرجها من جحيمه يؤمن بكفرها فتدخله جنتها ، والمعادلة قائمة بين (هي ) وبين (أنا ) ثم تستمر الأدوات في استحضار عناصر أخرى لمعاني أخرى ..
=======================
ثم يقول الشاعر:
هي
عشقتني
نكاية بالشيطان
وأنا
عشقتها
تقربا إلى الله .
============
هذا الأسلوب الادهاشي الحسي المباشر للمجاز ، ذو دلالة ضمنية يساهم في ايقاع المعاني في النفس ، ولأن الشاعر السماوي تجربة رائدة في العراق والوطن العربي ، في كتابة الشعر العمودي والتفعيلة والومضة والرباعيات ، فأنه شاعر متمكن من أدواته ، ويسيل الشعر شلال معاني في رأسه .
نقرأ كيف يختتم المقطوعة بهذه الضربة الشعرية القفلة فيقول :
حين تدحرجت من قعر بئري
إلى قمة سمائها الخامسة .
=========
لقد استعار الشاعر قعر البئر ، باعتباره نقطة تدحرج يسقط فيها بالحب ، لكن سقوطه استعار أيضا قمة سماء خامسة ، في إشارة إلى مستوى العقل الخامس حيث جاء في وصف السماء الخامسة : (السماء الخامسة ستكون هوية الانسان التي نعرفها في المخلوق الناطق ذو القدرة على التصنيع وفيه الكفر والايمان وبما يختلف عن مخلوقات الله الاخرى من مادة ونبات وحيوان .) بحث قرآني .
------------------------------------------------------------
يقول أيضا :
عدت طفلا أرجوحته غيمة
ودميته القمر
هي
عاقلة حد الجنون
وانا
مجنون حد الحكمة
وحده عشب حقولها
يحرض غزالة قلمي
على الركض
في مراعي السطور .
==============
التشبيه والاستعارة في هذا الانزياح ، ((عدت طفلا )) جعل التشبيه (أرجوحته = غيمة ) و (دميته = القمر ) يكشف لنا الإرصاد والمشاكلة في ((عدت طفلا )) ، فالعودة هنا بمفهوم الطيف أو التخييل ، والقصد يتبلور في الجانب المعنوي ، بينما كان للتكرار (( انا – هي )) عملية ايقاعية لا تشبه هي ما قبلها ولا أنا ، ففي كل نقلة كانت هي في مشهد وصورة تختلف معنى ومبنى ، كذلك أنا ، وهذا التكرار هو نظام ايقاعي يثير الاستفهام بتحريك الاستدلال ، تنشيط المدلولات بتوسيع فضائها .
---------------------------------------
يقول الشاعر :
أيها الفرح
أنا "يحيى"
فكن لي زكريا
وأنت أيتها الغربة
كوني زليخا
لأكون قميص يوسف .
فالطواغيت قدّوا أمسي
قميصي من دُبر
هي
كفرَت بايماني
فأخرجتها من جحيمي
وأنا ..
آمنت بكفرها .
فأدخلتني جنتها
=========
مستوى التضادد هنا بمستوى المفارقة ((كفرَت – بايماني )) و(( جحيمي – جنتها)) ومستوى المفارقة هنا بمستوى التضادد ((آمنتُ - بكفرها )) و(( فأخرجتُها – فادخلتني)) أن هذا اللعب في عملية التقديم ((هي)) والتأخير ((أنا)) يفتح مشهدية الإسقاط ، الاضفاء يصعد هرميا ((هي كفرت )) وينزل عشوائيا ((آمنت بكفرها))
عملية التبادل هنا ليست مقايضة ، لكنها مرادفة ، انزياح - استعارة - مفارقة - تشبيه - ابدال ، أدوات هذا المقطع جمعت عناصر غير متكافئة ولا متماثلة ، تكفر بايمانه فيخرجها من جحيمه يؤمن بكفرها فتدخله جنتها ، والمعادلة قائمة بين (هي ) وبين (أنا ) ثم تستمر الأدوات في استحضار عناصر أخرى لمعاني أخرى ..
=======================
ثم يقول الشاعر:
هي
عشقتني
نكاية بالشيطان
وأنا
عشقتها
تقربا إلى الله .
============
هذا الأسلوب الادهاشي الحسي المباشر للمجاز ، ذو دلالة ضمنية يساهم في ايقاع المعاني في النفس ، ولأن الشاعر السماوي تجربة رائدة في العراق والوطن العربي ، في كتابة الشعر العمودي والتفعيلة والومضة والرباعيات ، فأنه شاعر متمكن من أدواته ، ويسيل الشعر شلال معاني في رأسه .
نقرأ كيف يختتم المقطوعة بهذه الضربة الشعرية القفلة فيقول :
حين تدحرجت من قعر بئري
إلى قمة سمائها الخامسة .
=========
لقد استعار الشاعر قعر البئر ، باعتباره نقطة تدحرج يسقط فيها بالحب ، لكن سقوطه استعار أيضا قمة سماء خامسة ، في إشارة إلى مستوى العقل الخامس حيث جاء في وصف السماء الخامسة : (السماء الخامسة ستكون هوية الانسان التي نعرفها في المخلوق الناطق ذو القدرة على التصنيع وفيه الكفر والايمان وبما يختلف عن مخلوقات الله الاخرى من مادة ونبات وحيوان .) بحث قرآني .
------------------------------------------------------------
يقول أيضا :
عدت طفلا أرجوحته غيمة
ودميته القمر
هي
عاقلة حد الجنون
وانا
مجنون حد الحكمة
وحده عشب حقولها
يحرض غزالة قلمي
على الركض
في مراعي السطور .
==============
التشبيه والاستعارة في هذا الانزياح ، ((عدت طفلا )) جعل التشبيه (أرجوحته = غيمة ) و (دميته = القمر ) يكشف لنا الإرصاد والمشاكلة في ((عدت طفلا )) ، فالعودة هنا بمفهوم الطيف أو التخييل ، والقصد يتبلور في الجانب المعنوي ، بينما كان للتكرار (( انا – هي )) عملية ايقاعية لا تشبه هي ما قبلها ولا أنا ، ففي كل نقلة كانت هي في مشهد وصورة تختلف معنى ومبنى ، كذلك أنا ، وهذا التكرار هو نظام ايقاعي يثير الاستفهام بتحريك الاستدلال ، تنشيط المدلولات بتوسيع فضائها .
---------------------------------------
يقول الشاعر :
أيها الفرح
أنا "يحيى"
فكن لي زكريا
وأنت أيتها الغربة
كوني زليخا
لأكون قميص يوسف .
فالطواغيت قدّوا أمسي
قميصي من دُبر
ومن قُبل قدّ المجاهدون الزور
يومي .
-----------------------------
يومي .
-----------------------------
قد لا يبدو في هذه المقطوعة ، انزياح عام ، لكنه انزياح التشبيه ، حيث تبدأ الاستعارة ((أيها الفرح)) بـ ((أنا يحيى )) فيبدأ التشبيه
(( فكن لي زكريا )) ، ويستمر ايقاع النص في توظيف الاستعارة والتشبيه في هذا الانزياح الشعري ((وأنت أيتها الغربة)) والتشبيه ((كوني زليخا)) فيستعير الشاعر ((يوسف )) لأن القدَّ فيه من دُبر ومن قُبل ، وهذا الوصف يحيل إلى معنيين متساويين ، حيث يشترك الصديق والعدو بنفس الإساءة التي يعكس وجعها لنا الشاعر عبر هذا الانزياح الشعري وأدواته الفنّية ، فوجود المفارقة في تفعيل (القدَّ) موجود في الحالتين (من دُبر – من قُبل ) بنفس المستوى الذي يقع من العدو ومن الصديق .
---------------------------------------------
وفي نص آخر يقول الشاعر في استعارة رائعة جدا :
أنتِ
لستِ عصى موسى
فكيفت لقفت
جميع ثعابين حزني
================
استعارة عصى موسى ، توظيفها في ابتلاع احزانه ؟، أسلوب مدهش يُثير في النفس عذوبة الرؤية ومشهدية الصورة ، بغض النظر عن صيغة السؤال العجائبية ، ((أنتِ ..لستِ عصى موسى )) فقد جاء الاستفهام ادهاشي ((فكيف لقفت)) وهذه معادلة صعبة في توظيف الانزياح الدلالي ،((أنتِ)) ، ((عصى)) ، ((لقفت )) ، ((ثعابين حزني )) ، وصعوبة المعادلة الدلالية في عنصر المباغتة التي فجرتها المفارقة في هذه المقطوعة ، يقول الجرجاني : أن التشبيهات ، بقدر ما تباعد بين الشيئين تكون إلى النفوس أعجب .
===========================
وفي هذا النص المميز ما يُشبع بحثي هذا ، كمّاً ونوعاً من الانزياحات والاستعارات والتشبيه ، حيث كان النص (( ثلاثة حروف ب – ر- ح )) كأنه قطعة انزياحية بحتة .
=======================
مستهل النص بدأ بسردٍ شعري ((أعـطـانـا الـلـه حـرفَ " ب " واسـعـاً كـسـفـيـنـة نـوح ..)) ، الوصف = (( واسعا)) ، التشبيه = ((كسفينة)) ، الاستعارة = ((نوح ))
فالانزياح كله في الـ (ب) ، ويستمر الايقاع الشعري في تسييس
المتوالية تباعا بـحرف الـ ( ر ) ومن ثم الـ (ح ) (( أعطانا الله – أعطتنا الرحمة – أعطتنا الحرية )) في الانزياح الثاني ، الوصف = ((رشيقا )) التشبيه = (( كهلال )) الاستعارة = ((العيد )) ، في الانزياح الثالث ، الوصف = (( حميما )) التشبيه = (( كجناح )) ، الاستعارة = ((حمامة )) ، معادلات الانزياح ليست قواعد ثابتة ، وليس هناك التزام بنائي في تأطير شكله ، قد تكون الاستعارة بذاتها كافية لرسم الانزياح أو يكون التشبيه ، لكن الشاعر يحيى السماوي ، شاعر متبحر ، يستطيع التلاعب والتحكم في أدواته اللغوية والشعرية بكل طلاقة، ليس باعتباره دارس أو باحث في هذه المجالات ، ولكن لأنه شاعر بالفطرة ، وشاعر الفطرة لا يحتاج إلى دراسة ومطالعة العَروض أو المحسنات البديعية أو أدوات الشعِر واللغة لكتابة قصائده ونصوصه ، لذلك تطاوعه كل الأدوات حين يُريد رسم رؤيته في النص ، وهذا ليس بحسب قولي ؟، بل هو بحسب ما لمسناه وقرأناه في نصوصه والأسلوب الدقيق
والتعبير المتين والوصف المتقن الذي يجيده في الكتابة الشعرية بأنواعها .
يقول الشاعر :
((الـسـاسـة الـتـجّـار ، اسـتـولـوا عـلـيـهـا فـكـتـبـوهـا : ربـح !)) الحروف الثلاثة ( ب – ر – ح) ، تم تجميعُها لغرض دنيء ، استغلال سافل لها ((ربح)) ، بينما لم تنجو من ((الـظـلامـيـون
اخـتـطـفـوهـا فـكـتـبـوهـا : حـرب ..)) فهي بين التجار والظلاميون عمولة ( ربح – حرب) ، المقطع الأول ((الساسة )) تشكل بخصائص المفارقة ، ووقفة الضربة الشعرية ، كذا الثاني ((الظلاميون)) ، بنفس الايقاع والمبنى ، لكن ما هو نوع المفارقة هنا ؟، من خلال رسم المعادلة ((الساسة – كتبوها – حرب )) تكون المفارقة دلالية بحكم ما تشظى في المعنى ((حرب) كذلك في ((الظلاميون)) .
ثم يقول الشاعر :
أنـا ..
كـتـبـتـهـا : حِـبـر ...
وحـبـيـبـتـي ..
كـتـبـتـهـا : بـحـر !
=============
((أنا )) تنزاح في ((حبر )) و((حبيبتي )) تنزاح في ((بحر)) ،فيكون تركيب الانزياح قائم على ((أنا )) الضمير المتكلم، وهنا نشهد مفارقة وانزياح ذا مبنى تركيبي حيث تقوم ثلاثة حروف ( ب – ر – ح )) بتدوير المعاني إلى (( ربح – حرب – حبر – بحر )) ، فتكون في معادلة التأويل من جانب الشر للمعنى ربح أكثر من معنى = الاستنزاف – الاستهلاك – الاستحواذ- الاستملاك – الاستغلال .
وتأويل معنى الحرب كذلك = الفتن – القتال – الخراب – الدماء – الموت .
ثم جانب الخير ، يكون للحبر عدة معاني = الكتابة – الشِعر – التدوين – الثقافة – الأدب .
بينما يتخذ في شكل البحر معاني عاطفية = الانفتاح – الاتساع – العمق – العنفوان – الجمال .
كذلك كان تجويع المعاني في كلمة ربح وحرب ، واشباعها في كلمة ((حبر - بحر)) ، بينما تم احراقُها في كلمة ((فكتبوها )) ، أما انعاشُها فتجلى في كلمة ((كتَبتُهَا – كتَبَتْهَا ))
==============================
ثم يقول الشاعر :
لـذا آمـنـتُ بـحـبـيـبـتـي
وكـفـرتُ بـالـسـاسةِ
الـتـجّـار والـظـلامـيـيـن
مُـعـلـنـا عـن تـضـامـنـي
مع مـنـاديـل الـعـشـق
فـي حـربـهـا
ضِـدَّ لافـتـاتِ الـشـعـارات والأكـفـان !
======================
وهنا تبدأ عملية التضادد العكسي باعتبار أن التضادد هنا ليس تماثلي ، (( آمنت )) و (( وكفرتُ)) بنفس الزمن في حركة الفعل ، وكان لـ (( مناديل العشق)) الانزياح الدلالي التام ، لما يتضمن في مفهوم الجملة من صور تتجلى برؤية القارئ الذهنية ، حيث (المناديل ) وما تعكسه من معانٍ تنسجم ومعاني العشق من حيث القيم التي تتبناهى كلمتي مناديل وعشق .
وفي مظاهرة الحب الذي يتضامن معها الشاعر بـ ((حربها)) الإنسانية ((ضِـدَّ لافـتـاتِ الـشـعـارات والأكـفـان !)) تنتهي القصيدة وقد تجلى فيها من المعاني ما يسمو في الروح الإنسانية كل مظاهر الحب والسلام .
===========================
كانت العرب تستعير المعنى فيما يقاربه أو يشبهه أو يناسبه ، كذا السماوي في استعاراته حيث أنه يعتمد شروط التجانس والتآلف والانسجام في استعاراته ، أي أنه لا يخدش احساس المنطق في انزياحاته واستعاراته وتشبيهاته ، لأنه يدرك جيدا ، ما تعنيه مواجهة الحقيقة الباطنة ، لذلك فهو يُحمّل المعاني ما لم تألفه من قبل ، لأنه يمتلك ابتكاراته الخاصة ، حيث أنه يجعل لقبلة ما على جيبن الوطن فيكون الوطن عش وشفتيه العصفور ، ويضع أرقام التواريخ أنهار ، جبال ، زهور ، حمامات ، غربان ، وكما يشتهي الشِعر ، لا يمكن اطلاقا أن نجد بصمة ما ولو من آخر بعيد أن تماثل بصمة السماوي أو تقترب منها ، لأنه بحر هائج هيهات لسفينة صغيرة أن تبحر فيه ، ولا حتى كبيرة ، ما يبحر فيه الشِعر وحده ، حيث تشق لغته بطن المعاني وتسافر كما تريد واينما تشاء
ما دام شراعها الشِعر ، فربانها يحيى السماوي .
يقول الشاعر السماوي :
وطن
منذ أربعة أنهار
وأنا بستان
لا عش كشفتيك
يليق بعصفور ثغري
==========
وطن – أربعة انهار – بستان – عش – عصفور – شفتيك ، حين يصف السماوي وطن أو عصفور ، فليس مطلبه على نحو ما ان يكون الوصف ؟ ، الوصف لا يمثل له سوى واقع تشكيلي ، فقد يصف الشاعر العصفور ليصور من خلاله اللهفة للتأثير على عش ، هو بيت في الوطن يحن إليه .
-------------------------
بسطاء
كثياب أبي ذر الغفاري
خفاف
كحصان عروة بن الورد
راسخون كالجبال
يكرهون الاستغلال
كراهة الشجر للفأس
يحبون العدالة
حب العشب للربيع
(( فكن لي زكريا )) ، ويستمر ايقاع النص في توظيف الاستعارة والتشبيه في هذا الانزياح الشعري ((وأنت أيتها الغربة)) والتشبيه ((كوني زليخا)) فيستعير الشاعر ((يوسف )) لأن القدَّ فيه من دُبر ومن قُبل ، وهذا الوصف يحيل إلى معنيين متساويين ، حيث يشترك الصديق والعدو بنفس الإساءة التي يعكس وجعها لنا الشاعر عبر هذا الانزياح الشعري وأدواته الفنّية ، فوجود المفارقة في تفعيل (القدَّ) موجود في الحالتين (من دُبر – من قُبل ) بنفس المستوى الذي يقع من العدو ومن الصديق .
---------------------------------------------
وفي نص آخر يقول الشاعر في استعارة رائعة جدا :
أنتِ
لستِ عصى موسى
فكيفت لقفت
جميع ثعابين حزني
================
استعارة عصى موسى ، توظيفها في ابتلاع احزانه ؟، أسلوب مدهش يُثير في النفس عذوبة الرؤية ومشهدية الصورة ، بغض النظر عن صيغة السؤال العجائبية ، ((أنتِ ..لستِ عصى موسى )) فقد جاء الاستفهام ادهاشي ((فكيف لقفت)) وهذه معادلة صعبة في توظيف الانزياح الدلالي ،((أنتِ)) ، ((عصى)) ، ((لقفت )) ، ((ثعابين حزني )) ، وصعوبة المعادلة الدلالية في عنصر المباغتة التي فجرتها المفارقة في هذه المقطوعة ، يقول الجرجاني : أن التشبيهات ، بقدر ما تباعد بين الشيئين تكون إلى النفوس أعجب .
===========================
وفي هذا النص المميز ما يُشبع بحثي هذا ، كمّاً ونوعاً من الانزياحات والاستعارات والتشبيه ، حيث كان النص (( ثلاثة حروف ب – ر- ح )) كأنه قطعة انزياحية بحتة .
=======================
مستهل النص بدأ بسردٍ شعري ((أعـطـانـا الـلـه حـرفَ " ب " واسـعـاً كـسـفـيـنـة نـوح ..)) ، الوصف = (( واسعا)) ، التشبيه = ((كسفينة)) ، الاستعارة = ((نوح ))
فالانزياح كله في الـ (ب) ، ويستمر الايقاع الشعري في تسييس
المتوالية تباعا بـحرف الـ ( ر ) ومن ثم الـ (ح ) (( أعطانا الله – أعطتنا الرحمة – أعطتنا الحرية )) في الانزياح الثاني ، الوصف = ((رشيقا )) التشبيه = (( كهلال )) الاستعارة = ((العيد )) ، في الانزياح الثالث ، الوصف = (( حميما )) التشبيه = (( كجناح )) ، الاستعارة = ((حمامة )) ، معادلات الانزياح ليست قواعد ثابتة ، وليس هناك التزام بنائي في تأطير شكله ، قد تكون الاستعارة بذاتها كافية لرسم الانزياح أو يكون التشبيه ، لكن الشاعر يحيى السماوي ، شاعر متبحر ، يستطيع التلاعب والتحكم في أدواته اللغوية والشعرية بكل طلاقة، ليس باعتباره دارس أو باحث في هذه المجالات ، ولكن لأنه شاعر بالفطرة ، وشاعر الفطرة لا يحتاج إلى دراسة ومطالعة العَروض أو المحسنات البديعية أو أدوات الشعِر واللغة لكتابة قصائده ونصوصه ، لذلك تطاوعه كل الأدوات حين يُريد رسم رؤيته في النص ، وهذا ليس بحسب قولي ؟، بل هو بحسب ما لمسناه وقرأناه في نصوصه والأسلوب الدقيق
والتعبير المتين والوصف المتقن الذي يجيده في الكتابة الشعرية بأنواعها .
يقول الشاعر :
((الـسـاسـة الـتـجّـار ، اسـتـولـوا عـلـيـهـا فـكـتـبـوهـا : ربـح !)) الحروف الثلاثة ( ب – ر – ح) ، تم تجميعُها لغرض دنيء ، استغلال سافل لها ((ربح)) ، بينما لم تنجو من ((الـظـلامـيـون
اخـتـطـفـوهـا فـكـتـبـوهـا : حـرب ..)) فهي بين التجار والظلاميون عمولة ( ربح – حرب) ، المقطع الأول ((الساسة )) تشكل بخصائص المفارقة ، ووقفة الضربة الشعرية ، كذا الثاني ((الظلاميون)) ، بنفس الايقاع والمبنى ، لكن ما هو نوع المفارقة هنا ؟، من خلال رسم المعادلة ((الساسة – كتبوها – حرب )) تكون المفارقة دلالية بحكم ما تشظى في المعنى ((حرب) كذلك في ((الظلاميون)) .
ثم يقول الشاعر :
أنـا ..
كـتـبـتـهـا : حِـبـر ...
وحـبـيـبـتـي ..
كـتـبـتـهـا : بـحـر !
=============
((أنا )) تنزاح في ((حبر )) و((حبيبتي )) تنزاح في ((بحر)) ،فيكون تركيب الانزياح قائم على ((أنا )) الضمير المتكلم، وهنا نشهد مفارقة وانزياح ذا مبنى تركيبي حيث تقوم ثلاثة حروف ( ب – ر – ح )) بتدوير المعاني إلى (( ربح – حرب – حبر – بحر )) ، فتكون في معادلة التأويل من جانب الشر للمعنى ربح أكثر من معنى = الاستنزاف – الاستهلاك – الاستحواذ- الاستملاك – الاستغلال .
وتأويل معنى الحرب كذلك = الفتن – القتال – الخراب – الدماء – الموت .
ثم جانب الخير ، يكون للحبر عدة معاني = الكتابة – الشِعر – التدوين – الثقافة – الأدب .
بينما يتخذ في شكل البحر معاني عاطفية = الانفتاح – الاتساع – العمق – العنفوان – الجمال .
كذلك كان تجويع المعاني في كلمة ربح وحرب ، واشباعها في كلمة ((حبر - بحر)) ، بينما تم احراقُها في كلمة ((فكتبوها )) ، أما انعاشُها فتجلى في كلمة ((كتَبتُهَا – كتَبَتْهَا ))
==============================
ثم يقول الشاعر :
لـذا آمـنـتُ بـحـبـيـبـتـي
وكـفـرتُ بـالـسـاسةِ
الـتـجّـار والـظـلامـيـيـن
مُـعـلـنـا عـن تـضـامـنـي
مع مـنـاديـل الـعـشـق
فـي حـربـهـا
ضِـدَّ لافـتـاتِ الـشـعـارات والأكـفـان !
======================
وهنا تبدأ عملية التضادد العكسي باعتبار أن التضادد هنا ليس تماثلي ، (( آمنت )) و (( وكفرتُ)) بنفس الزمن في حركة الفعل ، وكان لـ (( مناديل العشق)) الانزياح الدلالي التام ، لما يتضمن في مفهوم الجملة من صور تتجلى برؤية القارئ الذهنية ، حيث (المناديل ) وما تعكسه من معانٍ تنسجم ومعاني العشق من حيث القيم التي تتبناهى كلمتي مناديل وعشق .
وفي مظاهرة الحب الذي يتضامن معها الشاعر بـ ((حربها)) الإنسانية ((ضِـدَّ لافـتـاتِ الـشـعـارات والأكـفـان !)) تنتهي القصيدة وقد تجلى فيها من المعاني ما يسمو في الروح الإنسانية كل مظاهر الحب والسلام .
===========================
كانت العرب تستعير المعنى فيما يقاربه أو يشبهه أو يناسبه ، كذا السماوي في استعاراته حيث أنه يعتمد شروط التجانس والتآلف والانسجام في استعاراته ، أي أنه لا يخدش احساس المنطق في انزياحاته واستعاراته وتشبيهاته ، لأنه يدرك جيدا ، ما تعنيه مواجهة الحقيقة الباطنة ، لذلك فهو يُحمّل المعاني ما لم تألفه من قبل ، لأنه يمتلك ابتكاراته الخاصة ، حيث أنه يجعل لقبلة ما على جيبن الوطن فيكون الوطن عش وشفتيه العصفور ، ويضع أرقام التواريخ أنهار ، جبال ، زهور ، حمامات ، غربان ، وكما يشتهي الشِعر ، لا يمكن اطلاقا أن نجد بصمة ما ولو من آخر بعيد أن تماثل بصمة السماوي أو تقترب منها ، لأنه بحر هائج هيهات لسفينة صغيرة أن تبحر فيه ، ولا حتى كبيرة ، ما يبحر فيه الشِعر وحده ، حيث تشق لغته بطن المعاني وتسافر كما تريد واينما تشاء
ما دام شراعها الشِعر ، فربانها يحيى السماوي .
يقول الشاعر السماوي :
وطن
منذ أربعة أنهار
وأنا بستان
لا عش كشفتيك
يليق بعصفور ثغري
==========
وطن – أربعة انهار – بستان – عش – عصفور – شفتيك ، حين يصف السماوي وطن أو عصفور ، فليس مطلبه على نحو ما ان يكون الوصف ؟ ، الوصف لا يمثل له سوى واقع تشكيلي ، فقد يصف الشاعر العصفور ليصور من خلاله اللهفة للتأثير على عش ، هو بيت في الوطن يحن إليه .
-------------------------
بسطاء
كثياب أبي ذر الغفاري
خفاف
كحصان عروة بن الورد
راسخون كالجبال
يكرهون الاستغلال
كراهة الشجر للفأس
يحبون العدالة
حب العشب للربيع
-----------------
كثياب أبي ذر – كحصان عروة ، دائما ما تنزاح لغة الشاعر السماوي في ثقافته ، لذلك ندرك العمق المعرفي لهذا الشاعر الموسوعي ، ففي هذا الديوان ، تحليقه الشعري في سموات كثيرة مما نعرف ومما يعرف هو دوننا ، حتى الارض التراب الاشجار الزهور ، للسماوي عوالم كبيرة بعضها مثالي وبعضها طبيعي غالبا ما يتوه الشاعر فيها ، فالغربة تلاحقه في الوطن وفي الغربة تفتك به أشد الفتك ، هكذا تتماهى انزياحته (بسطاء – خفاف ) الوصف هنا هبوط سريع وخاطف إلى التاريخ ودون مسافات دون مكان دون زمن ، انه انزياح لحظوي ، ترسمه الـ (كاف) بالتشبيه المباشر ، أنه يتحدث عن شعب ، طالما أنحدر من ظلاله الخير والحب والسلام والأمان .
-----------------------
أيها الخليفة
أنا لست كبشا
وانت
لست ابراهيم
فابعد سكينك الطائفية
عن عنقي
=========
بالكناية ، يخاطب الخليفة .. خليفة الموت وخليفة الخيانة وخليفة الاطماع وخليفة العبيد ، ان اثبات المعنى هنا لا ينحصر باستدلال واحد ؟، بل أنه ينزاح في كل ما له علاقة مع الواقع من خلال تنفذه كالسياسي والمسؤول والضابط والارهابي والاعلامي وكل من يقود الموت نحو الناس ، إذن ((أيها الخليفة )) بهذه العبارة يكون الخطاب بعنصر المفارقة (( أنا لست كبشا )) الاستعارة هنا ليست علاقة جزار بكبش ، العلاقة محاكاة دينية ساخرة بأسلوب تناصي ، (( وأنت لست ابراهيم)) أننا لا نقرأ في التشبيه مشهد ذبح ابراهيم لابنه ، لكننا نقرأ ذبح الارهابي للإنسان ، وأي إنسان .. ولماذا ؟، أنه الاختلاف العقائدي ، لكنه اختلاف مدسوس غرضي ذرائعي ليس له عين ليرى فيها الحقيقة ، لأن الخليفة يعرف الحقيقة أكثر من السكين التي تقطع رؤوس الأبرياء ، الحقيقة بنظر الخليفة حجر عثرة في طريقه الظلامي ، (فابعد سكينك الطائفية ، عن عنقي )) ،
هذا الأدوات ( الخطاب = أيها الخليفة / – الاستدلال = انا لست / – النفي = وانت لست / – الكشف = ابراهيم ) استعارات ومجازات صريحة ، لا يُعرّى معها ملاحظة الأصل ، وهذا بحدِّ ذاته ، استتباع للظلم ، وادماج للقاتل والسكين ، واطراد فيه يدور الحكم مع الوصف وجودا وعدما .
--------------------------------
=======================
كثياب أبي ذر – كحصان عروة ، دائما ما تنزاح لغة الشاعر السماوي في ثقافته ، لذلك ندرك العمق المعرفي لهذا الشاعر الموسوعي ، ففي هذا الديوان ، تحليقه الشعري في سموات كثيرة مما نعرف ومما يعرف هو دوننا ، حتى الارض التراب الاشجار الزهور ، للسماوي عوالم كبيرة بعضها مثالي وبعضها طبيعي غالبا ما يتوه الشاعر فيها ، فالغربة تلاحقه في الوطن وفي الغربة تفتك به أشد الفتك ، هكذا تتماهى انزياحته (بسطاء – خفاف ) الوصف هنا هبوط سريع وخاطف إلى التاريخ ودون مسافات دون مكان دون زمن ، انه انزياح لحظوي ، ترسمه الـ (كاف) بالتشبيه المباشر ، أنه يتحدث عن شعب ، طالما أنحدر من ظلاله الخير والحب والسلام والأمان .
-----------------------
أيها الخليفة
أنا لست كبشا
وانت
لست ابراهيم
فابعد سكينك الطائفية
عن عنقي
=========
بالكناية ، يخاطب الخليفة .. خليفة الموت وخليفة الخيانة وخليفة الاطماع وخليفة العبيد ، ان اثبات المعنى هنا لا ينحصر باستدلال واحد ؟، بل أنه ينزاح في كل ما له علاقة مع الواقع من خلال تنفذه كالسياسي والمسؤول والضابط والارهابي والاعلامي وكل من يقود الموت نحو الناس ، إذن ((أيها الخليفة )) بهذه العبارة يكون الخطاب بعنصر المفارقة (( أنا لست كبشا )) الاستعارة هنا ليست علاقة جزار بكبش ، العلاقة محاكاة دينية ساخرة بأسلوب تناصي ، (( وأنت لست ابراهيم)) أننا لا نقرأ في التشبيه مشهد ذبح ابراهيم لابنه ، لكننا نقرأ ذبح الارهابي للإنسان ، وأي إنسان .. ولماذا ؟، أنه الاختلاف العقائدي ، لكنه اختلاف مدسوس غرضي ذرائعي ليس له عين ليرى فيها الحقيقة ، لأن الخليفة يعرف الحقيقة أكثر من السكين التي تقطع رؤوس الأبرياء ، الحقيقة بنظر الخليفة حجر عثرة في طريقه الظلامي ، (فابعد سكينك الطائفية ، عن عنقي )) ،
هذا الأدوات ( الخطاب = أيها الخليفة / – الاستدلال = انا لست / – النفي = وانت لست / – الكشف = ابراهيم ) استعارات ومجازات صريحة ، لا يُعرّى معها ملاحظة الأصل ، وهذا بحدِّ ذاته ، استتباع للظلم ، وادماج للقاتل والسكين ، واطراد فيه يدور الحكم مع الوصف وجودا وعدما .
--------------------------------
=======================
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أنتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أن شاء الله لاحقا .

تعليقات
إرسال تعليق